دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 214

من يقتدي به ، وإمام الجند قائدهم ، والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام أمته .

الإمامة عند العامة :

درجة أرقى من النبوة والرسالة حيث يقول الرازي في تفسير قوله تعالى لإبراهيم : « إني جاعلك للناس إماماً »(1) «ان الله جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له ، ويدل أيضاً على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً»(2) وعليه فإن أولي العزم من الأنبياء هم أئمة حيث أن شريعتهم مستقلة وهم أنبياء ورسل ثم أئمة .
وقد قال الصادق عليه السلام في إمامة إبراهيم عليه السلام : «إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً وأن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً ، وان الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً ، وان الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً ، فلما جمع له الأشياء قال : إني جاعلك للناس إماماً»(3) .
والإمامة عند الإمامية بشكل عام : «هي الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا من قبل الله بالأصالة في دار التكليف»(4) هكذا عرفها الحلي(5) فهي إذاً تشمل بعض الأنبياء والأئمة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه إبراهيم عليه السلام : « إني جاعلك للناس إماماً » وهذه الآية بالذات حددت معالم الإمامة والإمام وهي :
1 ـ أن الإمامة جعل إلهي .

(1) سورة البقرة ، الآية : 124 .
(2) التفسير الكبير : 4/43 .
(3) الكافي : 1/175 .
(4) راجع كتاب الألفين : 22 .
(5) الحلي : هو حسن بن يوسف بن علي (648 ـ 726هـ) ، من أعلام الإمامية وفقهائها ، لَهُ الكثير من المصنفات ، منها : منهاج الكرامة ، تذكرة الفقهاء ، والشفاء في الحكمة ، دفن في النجف وقبره يُزار .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 215

2 ـ أن الإمام معصوم ومؤيد من قبله جل وعلا .
3 ـ أن المجموعة البشرية لا تخلو من الإمام .
4 ـ أن للإمام القدرة على معرفة ما يتطلبه في إمامته على الناس .
5 ـ أن الإمام أفضل من عداه(1) .
والإمام عند الإمامية بشكل خاص : هو الإنسان الذي عينه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الله جل وعلا لتكون له الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والذي نص عليهم بأسمائهم واحداً بعد واحد وقد بلغ عددهم اثني عشر إماماً أولهم علي بن أبي طالب(2) وآخرهم محمد المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام ، وقد مرّ ذكرهم .

(1) راجع تفسير الميزان : 1/274 ، وكتاب الألفين : 50 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 216

أدلة وجوب الإمامة

لا حاجة لنا هنا عن البحث عن وجوب الإمامة بشكل عام إذ هو من اللطف الذي أوجبه الله على نفسه ، وقد تقرر في محله أن على الله اللطف بعباده وإرشادهم إلى الحق وهذا لا يتم إلا عبر إرسال الرسل والأئمة ، إذ من غير اللطف ترك الناس سدى بدون إمام ، إلى غيرها من الأدلة ، ولكن الحديث هنا ليس عن مطلق الإمامة بل عن إمامة الأئمة الاثني عشر(1) ، وحتى نكون واقعيين فإن أقوى الأدلة على إمامة هذه الزمرة الطاهرة هو قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ، وأما العقل فالذي يمكن الاستدلال به بعد القول بضرورتها بشكل عام أن الإمام لا بد وأن يتحلى بصفات الإمامة بالإضافة إلى الصفات العامة كالعقل وما شابهه ، فإنه لا بد وأن يتصف بالنزاهة المطلقة والعصمة والعلم والمعرفة وو... وهنا يأتي السؤال هل اعترفت المجتمعات ، أو عرفت بذوات أفضل من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟
وأما الحديث عن الإجماع فلم يتحقق بالفعل في حقهم عند جميع المذاهب الإسلامية ، نعم قد يتحقق الإجماع بالقوة فيها لَو أريد الإذعان إلى الحقيقة وذلك بأن الكل يرى ضرورة الإمامة ، ومن جهة أخرى أن الكل يقول بأفضلية اختيار الأفضل لهذا المنصب بالإضافة إلى أن لا خلاف بطهارة هذه الزمرة وفضلهم بل أفضليتهم فلا بد بعد هذه المقدمات الثلاث أن يحكم بإمامتهم ولو ترك القطا لنام ولكن هيهات من ذلك ، وعلى كل فالإجماع غير حاصل عند كافة المذاهب الإسلامية باستثناء الإمامية .
وأما الحديث عن الكتاب فمآله إلى السنة لعدم وجود نص صريح في

(1) وقد تقدم الحديث عن أدلة إثبات الإمامة لهم .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 217

ذلك معترف به من كافة المذاهب الإسلامية بل هو من باب التفسير والتأويل ومرجعه إلى السنة إذاً فالاعتماد في هذا الباب على السنة النبوية ، وربما يضاف إليها السنة المروية عن الائمة أنفسهم ، ولا ينتقض هنا بأن قول القائل في نفسه ليس بحجة لأن أرباب العلم من كل المذاهب الإسلامية تعترف لهم بالفضل والكمال والصدق والأمانة في النقل ، ومن جهة أخرى فإن حديثهم هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو ثبتت النسبة إليهم فلا اعتراض عليه من أحد إذ لم يعرف أصدق منهم قولاً ، ومع هذا فلنعتمد على السنة النبوية الموثوقة وهي أفضل السبل لقطع الخلاف فقد وردت روايات عديدة مستفيضة إن لم تكن متواترة نقلها الفريقان في كتبهم وقد جمعها القاضي التستري(1) في كتابه إحقاق الحق(2) والشيخ الصافي(3) في منتخب الأثر(4) قد صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء خلفائه وأوصيائه واحداً بعد واحد مفسراً بذلك الأحاديث الأخرى التي تشتمل على العدد الإجمالي والصفات الإجمالية(5) ، ومن تلك ما رواه القندوزي عن الحمودي في

(1) التستري : هو نور الله بن شريف الدين بن نور الله المرعشي الحسيني المستشهد في الهند سنة 1019هـ بسبب تأليفه كتاب «إحقاق الحق» ، وقبره في «أكرة» يُزار ، ولد في تستر سنة 956هـ ، من مصنفاته : مجالس المؤمنين ، الصوارم المهرقة في رد الصواعق المحرقة ، وديوان قصائده .
(2) إحقاق الحق : 13/49 ـ 74 «جملة من النصوص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التصريح بأسماء الأئمة الاثني عشر» وألحق السيد شهاب الدين المرعشي (1315 ـ 1411هـ) بكتاب إحقاق الحق عدداً من الأجزاء بلغت جميعها 34 جزءاً .
(3) الصافي : هو لطف الله بن محمد جواد الگلپايگاني ، ولد سنة 1337هـ في مدينة گلبايگان ، من فقهاء الإمامية ، لَهُ مصنفات كثيرة منها : أحاديث الأئمة الاثني عشر ، الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير ، واسمعي يا إيران .
(4) منتخب الأثر : 102 ـ 145 ، الباب الثامن فيها يدل على الأئمة الاثنى عشر بأسمائهم وفيه 50 حديثاً . ويعلق في نهايته بما موجزه : «النصوص الواردة في الأئمة الاثني عشر بلغت في الكثرة حداً لا يتسعه مثل هذا الكتاب واستقصائها صعب جداً» .
(5) وقد روى القندوزي عن جمع الفوائد : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة ، ثم روى عن البخاري والترمذي وأبي داوود وغيرهم مضمون هذا الحديث ثم علق بقوله : «قال بعض
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 218

(فرائد السمطين) بسنده عن مجاهد عن ابن عباس في حديث قدوم نعثل اليهودي إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فطرح عليه أسئلة تتضمن السؤال عن الله جل وعلا وصفاته ، ثم انتقل بالسؤال عن وصيه قائلاً : فأخبرني عن وصيك من هو ؟ فما من نبي إلا وله وصي وأن نبينا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن وصيي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين ، قال : يا محمد فسمهم لي ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي فهؤلاء اثنا عشر... الحديث(1) .

= المحققين : إن الاحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان علم أن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلتهم عن اثني عشر ولا يمكن أن تحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز ولكونهم غير بني هاشم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كلهم من بني هاشم في رواية عبد الملك عن جابر وإخفاء صوته صلى الله عليه وآله وسلم في هذا القول يرجح هذه الرواية لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم ، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور ولقلة رعايتهم الآية : « قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى » وحديث الكساء ، فلا بد من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسباً وأفضلهم حسباً وأكرمهم عند الله وكان علومهم عن آبائهم متصلاً بجدهم صلى الله عليه وآله وسلم بالوراثة واللدنية كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق ، ويؤيد هذا المعنى أي أن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته ويشهد ويرجحه حديث الثقلين والأحاديث المتكررة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها ، وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يجتمع عليه الأمة في رواية عن جابر بن سمرة فمراده صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمة تجتمع على الإقرار بإمامتهم كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي رضي الله عنهم ـ إلى آخر كلامه ـ ينابيع المودة : 3/104 ـ 107 .
(1) ينابيع المودة : 3/99 ، إحقاق الحق : 13/49 عن فرائد السمطين .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 219

وبما أن شروط حجية سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحجية أهل بيته عليهم السلام متحدة لذلك دمجنا المبحثين معاً تجنباً من التكرار .
ولا تتحقق حجية السنة إلا بشروط :
الاول : أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً ، ونعني به العصمة المطلقة والعامة منها أي لا بد وأن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مصوناً عن الكذب والخطأ والنسيان بالإضافة إلى عدم اختصاص العصمة بمورد الحكم الشرعي بل في كل الوسائل المعبرة سواء كان في القول أو العمل أو التقرير خلافاً لبعض المذاهب فإنهم قيدوها بالأحكام ويستدلون بأمثال قضية تأبير النخل .
دليلنا على العصمة المطلقة والعامة أمور :
1 ـ إطلاق قول الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم « إن هو إلا وحي يوحى »(1) ولا دليل على انصرافه إلى مورد الحكم الشرعي كما لا دليل على تقيده بالقرآن ، ومن المعلوم أن مورد النزول لا يمكن أن يكون إلا ظرفاً للنصوص لا مقيد لها ، ودعوى أنه خاص بالقرآن لأنه لو لم يكن خاصاً يتنافى مع اجتهاده صلى الله عليه وآله وسلم(2) كما ذهب الآمدي(3) في الأحكام(4) مرفوض بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مجتهداً حيث أنه فوق ذلك ، ونعم ما ذهب إليه الرازي في تفسيره لهذه الآية المباركة حيث يقول : ثم قال تعالى : « إن هو إلا وحي يوحى » بكلمة البيان ، وذلك لأنه تعالى لما قال وما ينطق عن الهوى ، كأنَّ قائلاً قال : فبما ينطق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعن الدليل أو الاجتهاد ؟ فقال : لا

(1) سورة النجم ، الآية : 3 .
(2) ان الاجتهاد بحد ذاته يفيد الظن وحاشاه أن يوجه الناس بالظن مع أن مجال الوحي لكل أقسامه مفتوح أمامه وكما أنه منزه عن قول الشعر دعما لقدسية القرآن فكذلك فإنه منزه عن الاجتهاد حفاظاً على أحكام الله وشريعته وكلامه الذي لا يأتيه الشك من يديه وخلفه .
(3) الآمدي : هو علي بن (أبو) علي بن محمد الثعلبي (551 ـ 631هـ) ، رأس القضاء في القاهرة ودمشق ، ومات في الثانية ، من مصنفاته : التنبيه على مشكلات الهداية ، منهى السؤل في الأصول ، ومنائح القرائح .
(4) الأحكام في أصول الأحكام : 1/398 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 220

وإنما ينطق عن الله بالوحي(1) .
2 ـ رواية عبد الله بن عمرو بن العاص قال : كنت اكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه ، فقال : اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق(2) .
فإن قوله «إلى فيه» لا خصوصية له بل لأنه أبرز الوسائل المعبرة الذي وقع الكلام عنه وإلا فإن كل الوسائل المعبرة عن رأي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كقوله لا يصدر عنه عن هوى بل هو وحي يوحى ، ولا أظنني أن أحداً يمكنه التشكيك في نص الرواية بعد التأكيدين المعبر أحدهما بالقسم والآخر بأداة النفي والاستثناء .
وأخرج ابن مردويه(3) عن أبي الحمراء(4) وحبة العرني(5) قالا : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسد الأبواب التي في المسجد فشق عليهم ، قال حبة ، إني لأنظر إلى حمزة بن عبد المطلب(6) وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفان ، وهو يقول : أخرجت عمك وأبا بكر وعمر والعباس وأسكنت ابن عمك فقال رجل : ما يألو برفع ابن عمه ، قال : فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد شق عليهم فدعا الصلاة جامعة فلما اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول

(1) التفسير الكبير : 28/281 .
(2) سنن أبي داود : 3/334 ح : 3446 .
(3) ابن مردويه : هو أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني (323 ـ 410هـ) ، محدث ومفسر ومؤرخ ، من مصنفاته : كتاب التاريخ ، الآمال ، وتفسير القرآن ، توفي في بلدة إسكاف من العراق .
(4) أبو الحمراء : ويقال لَهُ أبو الحمراء الفارسي نسبة إلى فارس خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن صحابته ، وهو من رجال الإمام علي عليه السلام وروى عنه .
(5) العرني : هو ابن خوين بن علي الكوفي مات سنة 76هـ ، من التابعين ، يروي عن الإمام علي والإمام الحسن عليه السلام .
(6) حمزة بن عبد المطلب : ابن هاشم القرشي (54 ق.هـ ـ 3هـ) ، ولد في مكة واستشهد بأحد قرب المدينة المنورة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 221

الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة قد كان أبلغ منها تمجيداً وتوحيداً ، فلما فرغ قال : يا أيها الناس ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها ولا أنا أخرجتكم وأسكنته ، ثم قرأ : « والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى »(1) .
وروى الهندي(2) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ولا أنا تركته ولكن الله أخرجكم وتركه ، إنما أنا عبد مأمور ما أمرت به فعلت أن أتبع إلا ما يوحى إلي»(3) .
ونستمد من استدلال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية في مورد سد الأبواب بعمومية الآية وإطلاقها .
وقال الصادق عليه السلام : «إن رسول الله كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق»(4) .
3 ـ إن عدم عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المطلقة والعامة يوجب عدم الاطمئنان بالأمور المعبرة الصادرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم حيث لا يعلم المخاطب أهو من الأحكام أم من غيرها وينافي مع قدسية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وميزة شريعته الشمولية لجميع الأمكنة والأزمنة وجزئيات الأمور المعبرة عنها بالرطب واليابس(5) .
وأما رواية تأبير النخل وخطأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الناشئ عن عدم خبرته بأمور الزراعة(6) فضعيفة السند لا تنهض بالدليل مضافاً إلى كونه من أوليات الحياة التي لا يجهلها أحد في مثل وضعه صلى الله عليه وآله وسلم .

(1) الدر المنثور للسيوطي : 6/155 ، وعنه فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 2/167 .
(2) الهندي : هو علي بن عبد الملك بن قاضي خان المتقي البرهان فوري المتوفى سنة 975هـ ، من فقهاء الحديث ، سكن مكة فترة طويلة ثم عاد إلى الهند وفيها مات .
(3) فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 2/172 عن كنز العمال : 6/152 وأخرجه الطبراني عن ابن عباس كما أورده الهيثمي في مجمعه : 9/115 .
(4) حق اليقين لشبر : 1/94 عن بحار الأنوار : 17/5 .
(5) قال الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام الآية : 9 : « ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين » .
(6) راجع اجتهاد الرسول : 83 ، وصحيح مسلم : 7/95 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 222

وأما عصمة الأئمة :
فبالإضافة إلى ما تقدمت الإشارة إليه من الأدلة الأربعة نكتفي الاستدلال بالكتاب بآية التطهير : « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً »(1) وفيها مناقشات من عدة جهات : في المراد عن أهل البيت ، وفي معنى الرجس والتطهير ، وفي الإرادة وغيرها وقد بحث الفريقان بما فيه الكفاية في كتب الكلام والتفسير والحديث وما إلى ذلك(2) ، وما يهمنا هنا إثبات العصمة لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد ثبت في محله(3) بعد مناقشة النص وبتأييد من الروايات المتواترة أن المراد بأهل البيت النبوي هو الرسول محمد وفاطمة وعلي والحسنان عليهم أفضل الصلاة والسلام ، وما قيل بأن الآية وردت في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مردود بما مجمله بأن آية التطهير بحسب النزول لم تكن جزءاً من آيات النساء(4) وإنما وضعت بين آيات النساء عند التأليف بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على أن شأن نزولها كما وردت في الروايات المتواترة في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام ، ومن الملاحظ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لام سلمة «أنت على خير» أنها خارجة عن الآية(5) .

(1) سورة الأحزاب ، الآية : 33 .
(2) ومن تلك أن في كلمة «انما» اعلام بأن ما قبله خارج عن حكم ما بعده وبالعكس ، وفي استخدام ضمير المذكر فجأة خلافاً للسياق لدليل على أن فيه دفع وهم لمن يتصور أن لبعض النساء خصوصية من حيث أنهن نساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبما انهن طاهرات لا يتوجه النهي اليهن بل إلى غيرهن ، فجاءت الجملة المعترضة لتبين حقيقة ربما غفل عنها الناس ألا وهي حصر الطهارة فقط في أهل البيت الذين هم غير نساء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك نجد أن لهذه الجملة بروزاً في جهات مختلفة أهمها تبديل الضمير ، وعليه فالنساء خارجة عن هذا المفهوم بل جاء توجيه النهي إليهن لأنهن غير مطهرات ، ولا معصومات من الوقوع في الخطأ .
(3) راجع كتاب المراجعات : 14 وما بعده ، الميزان : 16/309 ـ 320 ، النص والاجتهاد : 76 ، فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 1/264 .
(4) شأنها شأن هذه الآية : « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » [المائدة : 3] .
(5) راجع الجامع الصحيح (سنن الترمذي) : 5/351 ، ح3205 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 223

وأما مسألة الرجس والتطهير فبعد النقاش الطويل الذي تم بين الفريقين فلا يمكن الركون إلا إلى القول بأن المراد منهما العصمة المطلقة لهم وتفصيل الكلام موكول إلى محله(1) .
وأما إثبات عصمتهم بالسنة فقد تواترت الروايات بذلك ورواها الفريقان ، ومن تلك ما رواه سلمان في حديثه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «... ثم وضع يده على كتف الحسين عليه السلام فقال : إنه الإمام ابن الإمام تسعة من صلبه أئمة أبرار أمناء معصومون والتاسع قائمهم..»(2) . وروى أيضاً ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : «... أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون..»(3) .
وممن روى ذلك أبو سعيد الخدري عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «... نعم الأئمة بعدي اثني عشر ، تسعة من صلب الحسين أمناء معصومون ومنا مهدي هذه الأئمة..»(4) .
وقد روى أبو ذر الغفاري أيضاً عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «... وسوف يخرج من صلب الحسين تسعة من الأئمة معصومون قوامون بالقسط..»(5).
ونكتفي بهذا القدر من الروايات المستفيضة في هذا الباب ومن أراد التفصيل فليراجع مظانها . ولا مجال أبداً لتحريف معنى العصمة بعدما جاءت مقرونة بالبر والأمانة والطهارة والقائم بالقسط وهي صفات الإمام ، كما لا مجال لخدش سندها لأنها بلغت حد التواتر ، وهي من الاستفاضة بمكان لا يمكن إنكارها .

(1) راجع كتاب الألفين : 67 حول عصمة الأئمة عليهم السلام .
(2) كفاية الأثر : 45 .
(3) كفاية الأثر : 19 ، إكمال الدين : 1/280 ، إحقاق الحق : 13/60 ، ينابيع المودة : 3/105 عن فرائد السمطين : 43 .
(4) كفاية الأثر : 29 .
(5) كفاية الأثر : 38 ، وفي اثبات الهداة : 5/133 قال أمير المؤمنين عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام : «انتما إمامان بعدي وسيدا شباب أهل الجنة والمعصومان حفظكما الله» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 224

وأما الإجماع فقد أجمع الإمامية ومن في فلكهم من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بوجوب العصمة بينما ذهب بعض علماء العامة إلى وجوب العصمة للإمام المنتخب ، وبالإجمال فهناك إجماع تعليقي على عصمة أئمة أهل البيت عليهم السلام من كافة المذاهب بمعنى أنه لو ثبتت إمامتهم فلا بد من القبول بعصمتهم وذلك لأن الإمام لا يمكن أن يكون كعامة الناس بل لا بد أن تتواجد فيه صفات تؤهله لهذا المقام الخطير والتي تجمعها العصمة .
قال الأمين لدى عده مميزات الإمامية : «الثالث عشر : الإمام يجب أن يكون منصوباً من قبل الله ويجب أن يكون معصوماً وأن يكون أكمل أهل زمانه وأفضلهم»(1) .
الثاني : أن نعلم صدوره عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو المعصومين عليهم السلام ، إذ لو لم تصدر السنة عنهم لما كانت لها قيمة فقهية ولا أمكن الاعتماد عليها في استنباط الأحكام الشرعية ، والسبيل إلى معرفة ذلك يكون عن الطريق المأخوذ منه ، أما العلم به فلا يتحقق إلا للوسيط الأول الذي باشر المعصوم عليه السلام وأما الطبقة الثانية فلا يمكنها العلم بصدوره عنهم لاحتمال خطأ الراوي أو نسيانه أو كذبه أو ما شابه ذلك(2) ، وحتى تكون السنة (الحديث) حجة لا بد وأن نطمئن عن صدورها عنهم ، ومن هنا جاءت الحاجة إلى علم الدراية والرجال وعليها اعتماد الفقهاء في قبول السنة أو ردها ، وللأصوليين في الكتاب والسنة مقولة تسالموا عليها وهي : «إن الكتاب قطعي الصدور وظني الدلالة ، والسنة ظني الصدور وقطعي الدلالة» وسيأتي الكلام عما يمكن الاطمئنان إليه من السنة عند البحث عن طرق السنة إن شاء الله تعالى .

(1) أعيان الشيعة : 1/110 .
(2) جاء في كتاب شيخ المضيرة أبو هريرة : 124 «أن مسند بقى بن مخلد الأندلسي (181 ـ 276هـ) قد احتوى من حديث أبي هريرة على 5374 مما جعل الصحابة ينكرون عليه» ومن هنا يعرف مدى الوضع على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا بد من التحقيق .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 225

الثالث : أن لا يكون مجتهداً :
مرت على كلمة الاجتهاد أربعة عشر قرناً وفي خلالها خضعت لمطرقة اللغويين والمحدثين والفقهاء ، والأصوليين منهم والاخباريين فأصبحت معالمها غير واضحة مما كانت عليه في بادئ الأمر من المعنى اللغوي البسيط الذي عرّفوه ببذل الجهد وهو الطاقة ، أو المبالغة في الجهد أي في بذل الطاقة لتحصيل أمرٍ ما أو في طلبه(1) .
وقد خيم هذا المعنى بظلاله على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يشعر الأصحاب بالحاجة إليه كهيئة ومادة ، وهم على مقربة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكي يناقشوا مادته أو هيئته بل لم يرد بهيئته في الكتاب ولم تتحدث السنة النبوية عن مادته التي تشكلت فيما بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل ظلت الكلمة تدور في فلكها اللغوي ويتلقاها الجميع بهذا المعنى دون أية مناقشة أو ترديد ، واستمر الوضع على حاله في عصر الصحابة والتابعين فلم تتعرض الكلمة للأخذ والرد ولم ترَ نقلة تذكر .
وما أن حل عصر تكوين المذاهب إلا وحل معه البحث عن الاجتهاد ، فأخذَ الصراع ينخر جسمه وتحاصره الآراء من كل حدب وصوب ، وبعد المخاض العسير اختلفوا في هويته إلى يومنا هذا ، وبسببه اختلفت المذاهب والفقهاء ، وأراد البعض(2) أن يقننه ضمن مدرستين القديمة والحديثة إلا أن التوفيق لم يكن حليفه لأمرين : الأول عدم إمكانية تحديد الحداثة والقدم ، الثاني : تداخل الآراء والتعاريف بشكل لا يسمح له بتقسيمها إلى مدرستين(3) .

(1) راجع لسان العرب : 2/397 ، مجمع البحرين : 3/32 ، الصحاح : 1/457 ، تاج العروس : 7/534 .
(2) راجع الاجتهاد أصوله وأحكامه : 34 .
(3) إلا إذا أراد الفصل بين العصرين قبل وبعد الوحيد البهبهاني ، فيعتبر ما جاء به الأصوليون من نظريات حول الاجتهاد قبل الوحيد المدرسة القديمة وما جاء به الوحيد المدرسة الحديثة ولكن الصحيح أن يقسم إلى ثلاثة عصور : ما قبل عصر المحقق الحلي ، وبعد عصر المحقق الحلي ، وعصر الوحيد البهبهاني إلى يومنا هذا .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 226

وبشكل عام فإن معظم التعاريف في مفهومها العام تتكون من فقرتين الأولى : معبرة عن الطريق ، والثانية ، معبرة عن النتيجة ، فعن الأولى عبروا بما يلي :
1 ـ استفراغ الوسع .
2 ـ بذل الجهد .
3 ـ بذل الوسع (الطاقة) .
4 ـ إعمال القواعد والأدلة .
5 ـ عملية استنباط .
6 ـ الاقتدار .
7 ـ ملكة .
وعن الثانية عبروا بالتالي : بأنه يوجب أو يحصل
1 ـ الظن بالحكم .
2 ـ العلم بالحكم .
3 ـ طلب الحكم .
4 ـ استنباط الحكم .
5 ـ الوصول إلى الحكم .
6 ـ استخراج الحكم .
7 ـ تحصيل الحجة (القطعية) .
8 ـ حكم ما يضطر إليه .
وأضاف بعضهم فقرة ثالثة وهي مقيدة للإطلاق ، وجاءت تعبيراتهم إحدى الأمور التالية :
1 ـ بالعقل أو القوة .
2 ـ من أدلتها التفصيلية .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 227

3 ـ بالوظيفة(1) (واقعية كانت أو ظاهرية) .
4 ـ عن مدرك شرعي .
وهذه الفقرة لا دخل لها بصميم التعريف وإنما أضيفت لمزيد التوضيح بتقييد أو إطلاق .
هذا ولا مبرر للإشكال : بأن الاجتهاد مأخوذ من المشقة كما ذهب إليه التفتازاني(2) وعرفه الطريحي(3) بأنه : «استفراغ الوسع فيما فيه مشقة لتحصيل ظن شرعي»(4) لما سيأتي من أن المختار من التعاريف فيه ما يكون مشقة وعناء حيث خصصناه بالمورد الذي لم يكن جلياً ومن الضروريات ، ومن الطبيعي أن الاجتهاد لا يكون في معرفة الحكم الشرعي المنصوص .
وأما الحديث عن الفقرة الأولى ، فمن الواضح أن الخلاف لفظي إلا فيمن عرّفها بالملكة وعندها فلا تبقى أمامنا إلا عبارتين :

(1) الوظائف الشرعية أو الوظائف العملية : مصطلح استخدم على ما ذهب إليه الوحيد البهبهاني (1206هـ) بعد الصراع الأصولي والاخباري للأصول العملية كالبراءة والاستصحاب وأمثالهما حيث لم يعدها أحكاماً عقلية ، ولا هي أحكاماً شرعية بل اعتبرها مجرد وظائف عملية أو ليس من مهامها معرفة الحكم الشرعي وإدراكه على حقيقته بل تنحصر في تعيين السلوك العملي للمكلف كي تبرأ ذمته من التكليف أما الحكم الشرعي فيظل معلقاً ومجهول الحال ـ راجع الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر : 17 ـ وإلى يومنا هذا ظلت الحركة الأصولية سارية على المنهج الذي رسمه الوحيد البهبهاني .
(2) التفتازاني : هو سعود بن عمر بن عبد الله (712 ـ 793هـ) ، من أئمة العربية والمنطق ، ولد في تفتازان من بلاد فارس ودفن في سرخس ، من مصنفاته : تهذيب المنطق ، مقاصد الطالبيين ، وإرشاد الهادي ـ راجع حاشية التفتازاني على مختصر ابن الحاجب : 2/289 .
(3) الطريحي : هو فخر الدين بن محمد بن علي (979 ـ 1085هـ) ولد ومات ودفن في النجف الأشرف . من أعلام الإمامية ، لَهُ مصنفات كثيرة ، منها : الاحتجاج في مسائل الاحتياج ، غريب الحديث ، والمنتخب .
(4) مجمع البحرين : 3/32 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي