دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 228

1 ـ أن الاجتهاد ملكة(1) .
2 ـ أن الاجتهاد بذل الجهد(2) .
والخلاف الجوهري بين العبارتين يظهر فيما إذا كان أحدٌ قادراً على استنباط الحكم إلا أنه بعد لم يحصل على ملكة الاجتهاد فلا يعد مجتهداً ، ونتيجة استنباطه ليست بحجة على التعريف الأول ، ومن جهة أخرى فإن الذي حصلت عنده ملكة الاجتهاد إلا أنه لم يباشر بالاستنباط فلا يعد مجتهداً على التعريف الثاني .
هذا ولا يمكن عد الاجتهاد ملكة إذا أنها ليست حالة بل هي عملية تنبأ عن القدرات العلمية للمجتهد ، فتعريفها بالملكة غير مختار .
وأما الفقرة الثانية فالخلاف فيها جوهري أيضاً لأنها تتضمن معانٍ مختلفة تنحصر في التالي :
1 ـ الظن بالحكم .
2 ـ العلم بالحكم .
3 ـ الوصول إلى الحكم .
4 ـ تحصيل الحجة .

(1) جاء في زبدة الأصول : 115 للبهائي : «أن الاجتهاد ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلاً أو قوة قريبة» ، وجاء في الأصول العامة للفقه المقارن : 563 للحكيم محمد تقي : «إن الاجتهاد ملكة تحصيل الحجج على الأحكام أو الوظائف العملية شرعية أو عقلية» .
(2) جاء في المستصفى : 2/101 عرف الغزالي الاجتهاد بقوله : «إنه بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام شرعية» وجاء في الاجتهاد : 24 أن العلامة الحلي والآمدي عرفاه «بأنه استفراغ الوسع من الفقيه لتحصيل الظن بحكم الشرعي» كما أن النفسي في كشف الأسرار : 2/170 عرفه بأنه «بذل الوسع والطاقة في طلب الحكم الشرعي بطريقة» وقال الخوئي في مباني الاستنباط : 4/507 «بأنه استفراغ الوسع في تحصيل الحجة القطعية بالوظيفة من الواقعية والظاهرية» ، وقال الشيرازي في الفقه : 1/29 «بأنه استفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي» .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 229

فالفرق بين العلم والظن واضح حيث أن درجة العلم أعلى من الظن ونسبة الحجية في العلم أقوى من الظن إلا إذا أريد بالظن الأعم منه ومن العلم(1) ، أو أريد من العلم فيما هو قبال الجهل المطلق ، ومنه قوله تعالى : « فإن علمتم فيهم خيراً »(2) ومع هذا فيرد على استخدام كلمة الظن في التعريف أنه غير جامع ولا مانع لأن الظن إن أريد منه خصوص ما قام على اعتباره دليل من شرع أو عقل ، فهو غير جامع لخروج العلم بالأحكام عنه لبداهة أنه ليس بظن ، وخروج ما لم يفد الظن مما قام عليه دليل بالخصوص .
وإن أريد به الاعم من الظن المعتبر وغيره ـ والذي هو المراد من تعاريفهم ـ فهو غير مانع من دخول الظنون غير المعتبرة فيه وهي ليست حجة في التشريع .
كما يرد على استخدام كلمة العلم في التعريف بأنه وإن أريد منه الأعم من العلم الوجداني(3) والتعبدي(4) وأريد من الحكم الشرعي الأعم من الواقعي(5)والظاهري (6)فهي لا تشمل كل ما يتصل بوظائف المجتهد من عمليات الاستنباط كالبراءة والاحتياط والتخيير لأن نتائجها ليست أحكاماً شرعية(7) على ما قيل .

(1) ولا يخفى أن الظن كما أنه يأتي بمعنى الشك كذلك يأتي بمعنى اليقين كما في قوله تعالى : « وإنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض » [الجن : 12] .
(2) سورة النور ، الآية : 33 .
(3) العلم الوجداني : هو ما كان مصدره الوجدان وأيقن صاحبه بنفسه دون واسطة مثل ثبوت الهلال بالرؤية .
(4) العلم التعبدي : هو ما كان مصدره منسوباً إلى جهة مؤهلة للأخذ بها مثل ثبوت الهلال بشهادة عدلين التي اثبت حجيتها الشرع ، أو ثبوته باخبار علماء الرصد .
(5) الحكم الواقعي : الحكم المجعول من قبل الشارع للشيء بعنوانه الأولي أو الثانوي ، المدلول عليه بالأدلة القطعية أو الأدلة الاجتهادية كالإمارات والطرق الظنية التي قام على اعتبارها دليل قطعي .
(6) الحكم الظاهري : الحكم المستفاد من الأدلة الفقاهتية المأخوذ في موضوعها الشك .
(7) راجع الأصول العامة للفقه المقارن : 561 ـ 563 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 230

إذاً فالاجتهاد بمفهومه العام : هو بذل الجهد إلى ما يمكن الوصول إليه من الأحكام والوظائف الشرعية فيما ليس بمقطوع من خلال الثوابت العقلية والنقلية ليكون حجة بينه وبين الله .
والمجتهد : من له القدرة على ذلك وإن لم يستنبط وربما حصلت له ملكة بعد ممارسة الاستنباط وربما العكس .
وعليه فلا ينقض بما انتقضت به سائر التعاريف والحدود أولاً ، وينقشع معه تخوف الاخباريين الذين أشكلوا على عدم حجية الظن ثانياً .
وأما الاجتهاد بمفهومه الخاص وهو الاجتهاد فيما لا نص فيه والذي يعادل القياس وأضرابه فقد نرى مثلاً أن الشافعي رادف بينه وبين القياس فقال : إنهما اسمان لمعنى واحد(1) كما اعتبره مصطفى عبد الرزاق مرادفاً لمعاني الرأي والقياس والاستحسان والاستنباط(2) ، وأما الرازي(3) فجعل منه القياس إلى جانب ما يغلب في الظن من غير علة ، وكذلك الاستدلال بالأصول(4) وما يعنينا من كلام الرازي الأول (القياس) ، وأما الثاني فهو اجتهاد في الموضوع وهو ليس من شأن المجتهد ، وأما الثالث فهو من الاجتهاد بمفهومه العام .
إذاً فالاجتهاد بمفهومه الخاص هو ما يرتئيه الفقيه فيما لم يرد فيه نص .
والحاصل أن للاجتهاد اتجاهات ثلاثة : لغوي ، سني ، شيعي .
فالاتجاه الأول (اللغوي) فقد كان سائداً منذ عصر الوحي وإلى عصر

(1) الرسالة للشافعي : 476 وقال فيه أيضاً : «ونحكم بالإجماع ثم القياس وهو أضعف من هذا ولكنها منزلة ضرورة لأنه لا يحل القياس والخبر موجود» الرسالة : 599 .
(2) الأصول العامة للفقه المقارن : 565 عن تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية : 138 .
(3) الرازي : هومحمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري (544 ـ 606هـ) ، من أئمة المعقول والمنقول ، ولد في الري ومات في هرات ، لَهُ التفسير الكبير ، ومن مصنفاته : أسرار التنزيل ، تهذيب الدلائل ، وتعجيز الفلاسفة .
(4) إرشاد الفحول : 250 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 231

تكوين المذاهب حيث احتل مكانه الاتجاه السني عندما وضع الشافعي(1) علم الأصول وتبعه سائر المذاهب السنية في هذا الاتجاه ، وأما الاتجاه الثالث فظهر بعد غيبة الإمام المهدي عليه السلام ورغم أن أصول الفقه وضع من قبل الإمام الباقر عليه السلام تمهيداً لعصر الغيبة فإن ظهوره على الساحة الفقهية كانت في عصر الغيبة ولا شك أنه خضع لعملية التطور والصقل(2) ، كما أحدث شرخاً بين علماء الإمامية(3) والذي لم يلتئم إلا منذ فترة قليلة .
وفي العصر الأول لم يعهد أن اختلف المسلمون على استخدام المعنى اللغوي وإنما الخلاف حدث في عصر تكوين المذاهب ، وقد خالفت الإمامية المذاهب السنية في استخدمها الاجتهاد المعادل للرأي والقياس وأضرابهما ، وقد نهى أئمة الإمامية عليهم السلام عن استخدامه ، وهو بدوره كان سبباً من أسباب الخلاف الفقهي بل العقائدي بين الإمامية والعامة ، وسيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى في محله(4) .
والغرض من كل ما قدمناه هو التمهيد للبحث عن جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو عدمه كما ذهب إلى كل من الرأيين فريق من فقهاء المذاهب .
أما الجواز فقد قال به جمهور الأصوليين من العامة(5) حيث ذهب

(1) الشافعي : هو محمد بن إدريس بن العباس القرشي (150 ـ 204هـ) ولد بغزة من فلسطين ومات في مصر ، وقبره بالقاهرة ، أحد أئمة المذاهب ، السنة الأربعة ، لَهُ تصانيف كثيرة ، منها : الأم ، المسند ، وأحكام القرآن .
(2) ويذكر بأن العلامة الحلي المتوفى عام 726هـ هو الذي نقل بالاجتهاد من معناه المصطلح عليه عند العامة والخاصة إلى المصطلح الجديد الجاري عند الإمامية ـ راجع أصول الفقه الجعفري : 150 ـ .
(3) حيث انقسموا إلى أصوليين وأخباريين ـ راجع تفاصيل ذلك في باب أضواء على مدينة كربلاء فصل الحركات الفكرية ، من هذه الموسوعة .
(4) سنبحث ذلك في فصل القياس والرأي من هذا الباب .
(5) اجتهاد الرسول : 40 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 232

إليه سائر الحنفية(1) وجميع الحنابلة ، وبعض الشافعية كالفخر الرازي والبيضاوي(2) بل نسبه الآمدي(3) والأسنوي(4) إلى الشافعي حيث قال : «وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع» وبه قال بعض أصحاب الشافعي كما قال به القاضي عبد الجبار(5) وأبو الحسين البصري(6) من المعتزلة(7) وابن الحاجب(8) وغيره ، وقال ابن تيمية(9) : «يجوز لنبينا أن يحكم باجتهاده فيما لم يوح إليه فيه» واستند إلى ما ذكره القاضي

(1) الأحكام للآمدي : 4/165 ، أصول السرخسي : 2/91 ، تيسير التحرير : 4/183 ، التقرير والتحبير : 3/295 ، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي : 3/925 ، مسلم الثبوت : 2/261 ، التحرير : 525 ، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد : 2/291 .
(2) البيضاوي : هو عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (... ـ 685هـ) ولد في بيضاء قرب شيراز ومات في تبريز ، من تصانيفه : طوالع الأنوار ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، ونظام التواريخ .
(3) الآمدي : مرّ ذكره .
(4) الاسنوي : هو عبد الرحيم بن حسن بن علي الأموي (704 ـ 772هـ) فقيه أصولي شافعي وأديب ، من مؤلفاته : التمهيد ، طبقات الفقهاء ، وجواهر البحرين في تناقض الحبرين .
(5) القاضي عبد الجبار : هو ابن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدآبادي (... ـ 415هـ) ولي القضاء في الري على عهد الصاحب بن عباد ومات فيها ، من مصنفاته : الأمالي ، شرح الأصول الخمسة ، وتنزيه القرآن عن المطاعن .
(6) أبو الحسين البصري : هو محمد بن علي الطيب المعتزلي المتوفى عام 436هـ ، ولد في البصرة وسكن بها وتوفي بها ، من أئمة المعتزلة ، له مصنفات منها : المعتمد في أصول الفقه ، غرر الأدلة ، وشرح الأصول الخمسة .
(7) اجتهاد الرسول : 40 .
(8) ابن الحاجب : هو عثمان بن عمر بن أبي بكر (570 ـ 646هـ) ولد في صعيد مصر ومات في الاسكندرية ، من فقهاء المالكية ، من تصانيفه : الكافية ، الشافية ، وجامع الأمهات .
(9) ابن تيمية : هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الدمشقي الحنبلي (661 ـ 728هـ) ، ولد في حران ، ومات بدمشق ، من مصنفاته : السياسة الشرعية ، الإيمان ، ونظرية العقد .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 233

أبو يعلى(1) وابن عقيل(2) وأبو الخطاب(3) وإلى ما أومأ إليه أحمد(4) بن حنبل(5).
واستدلوا على الجواز بما يلي :
الأول العقل : حيث لا يرى ضيراً في أن يستخدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده ورأيه فيما لم ينزل فيه الوحي ، وأضافوا بأننا لو افترضنا أن الله قد تعبد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاجتهاد فلا يلزم منه محال لذاته ولا يفضي إلى محال أو مفسدة لغيره(6) .
الثاني الكتاب : منها :
1 ـ قوله تعالى : « إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله »(7) بتقرير أنه سبحانه أناط الحكم بالرأي لا بما أنزله على نبيه ، وتعد هذه الآية من أبرز الآيات الدالة على اجتهاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتأتي غيرها دونها في الدلالة .
2 ـ الآيات الحاثة على الأخذ بالعبر(8) ومن أبرزها قوله تعالى : « وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا

(1) القاضي أبو يعلى : لعله هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن خلف بن أحمد بن الفراء ، ويقال له أبو يعلى الصغير (494 ـ 560هـ) فقيه حنبلي أصولي محدث تولى الافتاء والقضاء بواسط وبغداد ، من تصانيفه : النكت والإشارات ، شرح المذهب ، التعليقة الكبيرة .
(2) ابن عقيل : علي بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي (431 ـ 513هـ) من كبار علماء الحنابلة ، من مصنفاته : الإرشاد ، كتاب الفنون ، والواضح .
(3) أبو الخطاب : هو عمر بن الحسن بن علي الكلبي (544 ـ 633هـ) مات بالقاهرة ، من مصنفاته : تنبيه البصائر ، الآيات البينات ، ونهاية السؤل في خصائص الرسول .
(4) أحمد بن حبنل : هو ابن محمد الشيباني الوائلي (164 ـ 241هـ) إمام مذهب الحنابلة ، ولد ومات في بغداد ، من مصنفاته : المسند ، التاريخ ، الناسخ والمنسوخ .
(5) راجع المسودة لابن تيمية : 507 .
(6) الأحكام في أصول الأحكام للآمدي : 4/165 ، المستصفى : 2/325 .
(7) سورة النساء ، الآية : 105 .
(8) وهي الآيات التالية : 13 من آل عمران و111 من يوسف ، و66 من النحل و21 من المؤمنون ، و44 من النور ، و26 من النازعات .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 234

يا أولي الأبصار »(1) بتقريب أن المكلف مدعو إلى أخذ العبرة وهو نوع من الاجتهاد والقياس فإذا ما نظر إلى تلك الأمور الغابرة لا بد أن يعتبر في أمور حياته ويطبقها على حالته ، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم مخاطب في عموم هذه الآيات .
3 ـ قوله تعالى : « ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم »(2) وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكلف بالاستنباط حيث قارنه مع أولي الأمر فكما يمكن لهم الاستنباط كذلك يجوز له صلى الله عليه وآله وسلم الاستنباط .
كما استدلوا بآيات أخرى إلا أنها بعيدة المنال عن الموضوع .
الثالث الروايات : منها ما رواه عبد الله بن عمر أنه كان يقول : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادي لها فتكلموا يوماً في ذلك فقال بعضهم : اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بوقاً مثل قرن اليهود ، فقال عمر(3) : أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا بلال(4) قم فناد بالصلاة(5)» ووجه الاستدلال بها ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اختار رأي عمر بن الخطاب اجتهاداً منه بعد أن عُرضت عليه ثلاثة آراء .
وهناك روايات أخرى أضعف منها دلالة أعرضنا عنها .
الرابع الإجماع : فقد حكى القرافي(6) الاتفاق على جواز اجتهاد

(1) سورة الحشر ، الآية : 2 .
(2) سورة النساء ، الآية : 83 .
(3) عمر : هو ابن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي (40 ق.هـ ـ 23هـ) ، تولى الحكم بعد وفاة أبي بكر عام 13هـ ، وفي عهده تم فتح الشام والعراق ومصر ، لَهُ في كتب الحديث 537 حديثاً .
(4) بلال : هو ابن رباح الحبشي (نحو 42 ق.هـ ـ 20هـ) ، مؤذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، توقف عن رفعه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، توفي في دمشق وهو ابن بضع وستين سنة ، لَهُ في صحاح البخاري ومسلم 44 حديثاً .
(5) فتح الباري 2/77 ، سيرة ابن هشام : 2/154 .
(6) القرافي : هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي (... ـ 684هـ) ، مصري المولد والمنشأ والوفاة ، من فقهاء المالكية ، من مصنفاته : أنوار البروق في أنواء الفروق ، الذخيرة ، والخصائص .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 235

النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأقضية حيث قال : «ومحل الخلاف في الفتاوى ، أما الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها بالإجماع» ، وقال الأسنوي : «اتفقوا على وقوع الاجتهاد منه صلى الله عليه وآله وسلم في الأقضية وفصل الخصومات»(1) . كما قال البخاري(2) الاتفاق على جوازه في الحروب وأمور الدنيا حيث قال : «وكلهم اتفقوا على أن العمل يجوز له بالرأي في الحروب وأمور الدنيا»(3) .
وقال الشوكاني(4) : «أجمع العلماء على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقلاً ، وقد وقع ذلك فعلاً كما في مصالحة غطفان(5) مقابل ثمار المدينة وفي تأبير النخل بقدومه صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة»(6) .
وحكى الإجماع عن الاسفرايني(7) على جواز تعبد الأنبياء بالاجتهاد عقلاً فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحرب(8) كما حكاه الرازي(9) وابن حزم(10) .

(1) شرح الأسنوي مع شرح البدخشي على المنهاج : 3/194 .
(2) البخاري : هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد (... ـ 730هـ) فقيه حنفي من علماء الأصول ، من مصنفاته : شرح المنتخب الحسامي .
(3) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي : 3/926 .
(4) الشوكاني : هو محمد بن علي بن محمد اليمني الصنعاني (1172 ـ 1250هـ) ، مفتي ومدرّس ، من مصنفاته : التحف في مذاهب السلف ، الدرر البهية ، ونيل الأوطار من أسرار منتقى الاخبار .
(5) غطفان : ابن سعد ، بطن عظيم من العدنانية ، وقد حاربهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة الخندق ، وهي الأحزاب .
(6) إرشاد الفحول : 255 ، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي : 3/925 .
(7) الأسفرايني : هو أبو منصور عبد القادر بن طاهر بن محمد المتوفى عام 429هـ ، ولد ونشأ في بغداد وتوفي في اسفرايين ، ودفن جنب أستاذه أبو إسحاق الاسفراييني ، فقيه أصولي من الشافعية ، من مؤلفاته : الإيمان وأصوله ، تأويل متشابه الأخبار ، التحصيل في أصول الفقه .
(8) راجع بشأنه وما بعده إرشاد الفحول : 255 .
(9) الرازي : تقدمت ترجمته .
(10) ابن حزم : هو علي بن أحمد بن سعيد الطاهري (384 ـ 456هـ) ولد بقرطبة ومات في بادية لَبْلة بالأندلس ، ترك مئات المصنفات ، منها : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، المحلّى ، وجوامع السيرة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 236

واستدل المانعون بما يلي :
الأول العقل : واستدل به من وجوه .
1 ـ عدم حاجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاجتهاد بعدما كان الوحي بمتناول يديه حيث كان الوحي بطرقه المختلفة متيسراً له ولم يتركه الله بلا وحي .
إن قيل بأن الوحي لم ينزل بكل شاردة وواردة .
فيقال : بأن الوحي تارة نزل بالعمومات والمطلقات والعلل والمسببات وأخرى نزل بالمسائل الجزئية .
وإن قيل : بأن إرجاع الخاص إلى العام والمقيد إلى المطلق والأخذ بالعلل والمسببات هو الاجتهاد بعينه .
فيقال إنه ليس باجتهاد أولاً ، وعلى فرضه فإنه اجتهاد بالمعنى اللغوي الذي كان سائداً آنذاك ثانياً .
وإن قيل : بأن الوحي لم يكن مشهوداً لدى الصحابة ولم يتناسب مقداره مع الأحكام . فيقال : بأن للوحي طرقاً مختلفة منها نزول الملك جبرائيل الذي كان يعتريه رعشة فيعرف بنزول الوحي ، ومنها الإلهام ، ومنها الرؤيا فهما مما لا يعرفه الناس إن لم يخبر به .
وإن قيل : بأنه كان يحكم في مسألة ولم ينزل عليه وحي .
فيقال : بأنه أما إن كان لديه الحكم من ذي قبل أي نزل عليه الوحي وأخبره بما سيحدث وبحكمه ، أو أن الوحي نزل عليه بصورة الإلهام ، أو أنه حكم بمقتضى العمومات والإطلاقات .
الوجه الثاني : أن الاجتهاد يؤدي إلى الظن بالحكم والظن يحتمل الصحة والخطأ . فإن قيل بأن الظن علامة لترتيب الحكم عليه واجتهاده صلى الله عليه وآله وسلم دليل على الحكم المستيقن فلا يحتمل الخطأ ، ولو فرضنا خطأه فإنه لا يقر على الخطأ(1) .
فيقال : بأنه إذا كان حكمه مستيقناً فهو إما بوحي فعلي أو بوحي

(1) راجع المستصفى : 2/355 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 237

سابق ، بمعنى أنه إما أوحي إليه في ساعة الحكم أو أنه استفاد الحكم من وحي سابق ، وأما قولكم بأنه لا يقر على الخطأ فهو عبارة أخرى عن الوحي .
وإن قيل : بأنه معصوم عن الخطأ فاجتهاده لا يقوده إلى الخطأ .
فيقال : بأن العصمة إنما جاءت بفضل الوحي أولاً ، وأن مسألة العصمة من المسائل الخلافية لدى المذاهب الإسلامية ، فإن قلتم بالعصمة انتهى الأمر ، قلتم كذلك بأنه وحي يوحى في الأمور الدينية والدنيوية .
وأخيراً فبما أن الاجتهاد موجب للظن ، والتمييز بين ما اجتهده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما أوحي إليه في غاية الصعوبة للمسلمين فإن ذلك يوجب التشكيك بكل ما عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهو وحي أم اجتهاد وعنده لو أعملت الأصول العملية للزم الأخذ بعدم نزول الوحي فتبقى أكثر الأحكام مظنونة ، وهذا ما لا يرتضيه العقل .
الوجه الثالث : أنه إذا اجتهد في أمر قد يتعارض مع الوحي المنزل وهذا مرفوض حيث لم يعرف بأنه غيّر الأحكام الإسلامية إلا بوحي آخر .
فإن قيل : بأن ما توصل صلى الله عليه وآله وسلم إليه بالاجتهاد مؤيد منه سبحانه وتعالى فلا تعارض فيقال : بأنه فرض مستحيل وعلى فرض تحققه ، أولاً : فالتأييد مآله إلى الوحي ، ثانياً : إن كان يمكنه الاجتهاد فلماذا كان ينتظر الوحي في كثير من الموارد .
وإن قيل : بأن له أن يجتهد في بعض الأحكام وعليه أن ينتظر الوحي في بعضها الآخر فيقال : من أين له ذلك فإن كان بالوحي فهو من جملة الوحي وإن كان بالاجتهاد فهو من مصادرة المطلوب وهو الدور بعينه .

الدليل الثاني الآيات :

ومن أبرزها قوله تعالى : « إن هو إلا وحي يوحى »(1) حيث دلت على أن ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي فلا مجال للاجتهاد ، وقد قال الرازي : كأن قائلاً قال : فبماذا ينطق ـ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ـ أعن الدليل أو الاجتهاد ؟

(1) سورة النجم ، الآية : 4 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 238

فقال : لا ، وإنما ينطق عن الله بالوحي(1) .
وإن قيل بأن سياق الآيات تدل على أن المقصود به القرآن الكريم دون كلامه صلى الله عليه وآله وسلم فيقال : العكس هو الصحيح فإن سياق الآيات تدل على أنها جاءت في قضية المعراج حيث يقول « وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى »(2) بالإضافة إلى الآيات التي بعدها فإن جميعها دالة على أن الحديث لم يكن بخصوص القرآن نعم إن القرآن جزء من نطقه واخباره .
وإن قيل بأنه تعالى أراد نفي ممارسة الاجتهاد كما هو الحال في الشعر . فيقال : لا شك أن القدرة على النظم موجودة عنده صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه لم يمارس الشعر حيث قال : « وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين »(3) وكذلك فإنه تعالى عندما ينفي عنه الاجتهاد فإنه لا ينفي القدرة بل الممارسة .
إن قيل : كما ان نفي شاعريته صلى الله عليه وآله وسلم متعلقه القرآن فكذلك إثبات العصمة متعلقه القرآن .
فيقال : إن تهمة شاعريته إنما جاءت هناك لنسف كون القرآن من قبله تعالى ، حيث قالوا : « بل افتراء بل هو شاعر »(4) فكان الرد في اتجاهين : الأول عن القرآن بقوله : « وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون »(5) والثاني عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله « وما علمناه الشعر وما ينبغي له »(6) وأما هنا فقد اتهم صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب وبأنه يتصرف من عند نفسه فجاء الرد بقوله تعالى : « إن هو إلا وحي يوحى »(7) ، نعم لو كان رداً على قولهم : « إن هو إلا قول

(1) التفسير الكبير : 28/281 .
(2) سورة النجم ، الآية : 7 ـ 10 .
(3) سورة يس ، الآية : 69 .
(4) سورة الأنبياء ، الآية : 5 .
(5) سورة الحاقة ، الآية : 41 .
(6) سورة يس ، الآية : 69 .
(7) سورة النجم ، الآية : 4 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 239

البشر »(1) مثلاً لصح ذلك ولكن سياق الآية تأبى ذلك ، مضافاً إلى أن المفسرين ذكروا أنها نزلت في قصة المعراج حتى أن عتبة بن أبي لهب(2) جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ، وقال كفرت بالنجم وقال ما قال وعمل ما عمل ونال ما نال فنظم حسان(3) في ذلك قصيدة(4) .
وإن قيل : إن هذه الآية جاءت في الأحكام الشرعية دون الأمور الأخرى .
فيقال : إنها مطلقة ولا دليل على تقيدها بذلك أولاً ، وإن موردها ليس حكماً شرعياً ثانياً ، وعلى فرض صحة ما قيل ثالثاً فإن المطلوب هنا نفي اجتهاده صلى الله عليه وآله وسلم ولو في الأمور الدينية ، وسيأتي الحديث عن اجتهاده صلى الله عليه وآله وسلم في الأمور الدنيوية إن شاء الله تعالى .
وهناك آيات أخرى يستدل بها في المقام إلا أنها لا تنهض بالمطلوب ، مثل قوله تعالى « ان اتبع إلا ما يوحى إلي »(5) لأنها سبقت بقوله « ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي » وفيها إشارة واضحة إلى أن المراد به القرآن الكريم .
ولو قيل : بأنه تعالى خاطب رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم : « لتحكم بين الناس بما أراك الله »(6) لقلنا : بأن الآية ليست في مقام الرأي بل الحكم بين الناس بما علّمه الله والرؤية هنا بمعنى المعرفة إذ هو المتبادر ، وسياق الآية تدل على ذلك حيث يقول : « إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما

(1) سورة المدثر ، الآية : 25 .
(2) عتبة : هو ابن عبد العزى بن عبد المطلب ، قيل أنه كان زوجاً لإحدى ربيبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، طلقها بعد نزول الآية ، وأكله السبع بدعاء النبي عليه وهو في طريقه إلى الشام ، وقيل إلى اليمن .
(3) حسان : هو ابن ثابت بن منذر الأنصاري (... ـ 54هـ) كان شاعر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم شاعر اليمانيين لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزوة واحدة ، عمي في آخر حياته .
(4) راجع مجمع البيان : 5/261 .
(5) سورة يونس ، الآية : 15 .
(6) سورة النساء ، الآية : 105 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 240

أراك الله » وإلى هذا ذهب ابن حزم(1) .
وإن قيل : بأن هناك آيات متعددة تحث الناس على الاعتبار كما تقدم الحديث عنها .
فيقال : بأن المتبادر من الآيات هي الموعظة وسياقها تدل أنها جاءت في مقام الوعظ وأخذ العبرة لا الاجتهاد .
وإن قيل : بأنه تعالى ساوى بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأولي الأمر في الاستنباط في قوله تعالى : « ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم »(2) فإن مفاده جواز الاستنباط .
فيقال أولاً : بأن معنى الاستنباط ليس الاجتهاد ، وإن كان بمعنى الاجتهاد فلا يعني غير المعنى اللغوي ، وأما المعنى المرادف للقياس والرأي فقد سبق وتحدثنا أنه متأخر عن عصر الوحي ، وثانياً أن المراد بأولي الأمر هم الأئمة المعصومون عليهم السلام وقد سبق الحديث عن ذلك مسهباً ، وثالثاً : إن تساوي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأولي الأمر لا يوجب إجراء الحكم عليهما(3) ، ورابعاً أن الاستنباط لا يرتبط بهما بل الضمير يعود إلى ما رجع إليه الضمير في «ولو ردوه» كما عليه ابن حزم .
الدليل الثالث : الأحاديث وهي كثيرة نختار منها ما يلي :
1 ـ روى ابن عساكر بإسناده إلى ابن عباس قال : كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ انقض كوكب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي فقام فتية من بني هاشم فنظروا فإذا النجم قد انقض في منزل علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقالوا يا رسول الله قد غويت في حب علي ، فأنزل الله تعالى : « والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ـ إلى

(1) راجع الأحكام في أصول الأحكام : 5/702 .
(2) سورة النساء ، الآية : 83 .
(3) ولو أريد التساوي بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأولي الأمر لقيل بنبوتهم ، إلى غيرها من الأمور ، وإنما يؤخذ في التساوي والتشبيه وجه الشبه والتساوي ، ولا يراد العمومية .

السابق السابق الفهرس التالي التالي