دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 241

قوله ـ وهو بالأفق الأعلى »(1) .
وقد روى البحراني(2) خمسة عشر رواية في ذلك كلها تدل على الولاية ولا ترتبط بموضوع القرآن(3) .
2 ـ روى أبو إسماعيل الجعفي(4) عن الباقر عليه السلام قال : «إن الله برأ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من ثلاث : أن يتقول على الله ، أو ينطق عن هواه أو يتكلف»(5) فيه دلالة واضحة على أنه لا يتصرف بشيء من عنده .
وإن قيل بأن المراد بذلك هو القرآن .
فيقال : بأن الحديث هنا ليس عن القرآن بل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتصرفاته والقرآن جزء مما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد ما يخصص الرواية بالقرآن ، نعم لعل في الحديث إشارة إلى قوله تعالى : « ولو تقول علينا بعض الأقاويل »(6) وإلى قوله تعالى : « وما ينطق عن الهوى »(7) وإلى قوله تعالى :

(1) كفاية الطالب : 261 عن تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام وقد تقبله الكنجي قبول الصحاح .
(2) البحراني : هو هاشم بن سليمان بن إسماعيل الكتكاني التوبلي (... ـ 1109هـ) من كبار فقهاء الإمامية ، ترك عشرات المصنفات ، منها : معالم الزلفى في النشأة الأخرى ، الدر النضيد في فضائل الحسين الشهيد ، وترتيب التهذيب .
(3) راجع تفسير البرهان : 4/246 .
(4) رواه البرقي عن عباس بن عمار عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي غيلان ، عن أبي إسماعيل الجعفي ، هذا ولم نعثر على من كني بأبي إسماعيل الجعفي في مظانه ولا في من روى عن الباقرين عليهما السلام ، ولعله هو أحد الراويين : إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي أو إسماعيل بن عبد الخالق الجعفي الذين ذكرهم الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الباقر عليه السلام ، وربما جاءت كلمة «أبي» من زيادة النساخ ، وفي أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ورد اسم إسماعيل بن حازم الجعفي واحتمال أن يكون حازم وارد أيضاً ، ولكن احتمال كونه هو جابر بن يزيد الجعفي هو الأقوى ، لمكان ابنه إسماعيل ، وقد كان جابر من أصحاب الباقر رغم اشتهاره بكنية أبي عبد الله .
(5) بحار الأنوار : 2/178 عن المحاسن .
(6) سورة الحاقة ، الآية : 44 .
(7) سورة النجم ، الآية : 3.
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 242

« وما أنا من المتكلفين »(1) .
3 ـ رواية الصادق عليه السلام : «حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قول الله عز وجل»(2) حيث دلت الرواية على أن ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو من كلام الله وليس من رأيه واجتهاده .
وإن قيل : بأن المراد أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم بمثابة قول الله عز وجل .
فيقال : بأنه خلاف الظاهر ، نعم لو قال حديث كحديثه أو قوله كقوله لصح ما قيل .
إلى غيرها من الروايات الدالة على هذا المعنى فمن أراد فليراجع محله(3) .
هذا وقد قال ابن الخطاب : «أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله مصيباً لأن الله كان يريه وإنما هو منا الرأي والتكلف»(4) .
وأما رواية اختيار الرسول النداء للصلاة من بين سائر الاقتراحات للإعلان عن الصلاة فمردودة بأمور :
1 ـ نسبة الحيرة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الشريعة وهو المرسل من قبل الله جل وعلا والموحى إليه ، بينما يبقى الصحابة في وضع أفضل منه بحيث لا تكتنفهم الحيرة ، فإن العقل السليم يرفض ذلك .
2 ـ إن الأحاديث الواردة في هذا الباب متعارضة ومتضاربة فكيف لهم الركون إلى مثل هذا وطرح غيرها دون الأخذ بالمرجحات .
فقد روى أبو عمير بن أنس(5) عن عمومة له من الأنصار ، قال

(1) سورة ص ، الآية : 86 .
(2) بحار الأنوار : 2/178 ، عن منية المريد : رواه هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيرهما قالوا سمعنا أبا عبد الله ... الحديث .
(3) راجع باب العلم من كتاب البحار .
(4) ابطال القياس لابن حزم : 58 .
(5) أبو عمير : هو عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري ، كان أكبر ولد أنس ، وكان أباه قد توفى عام 93هـ ، وكان هو من الرواة إلا أن أحاديثه قليلة ، ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب : 6/422 ، ونقل عن عبد البر إنه مجهول لا يحتج به .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 243

اهتم(1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها ـ إلى أن يقول ـ : فانصرف عبد الله ابن زيد(2) وهو مهتم لهمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأري الأذان في منامه ، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال له : يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان ، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً ، ثم خبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : ما منعك أن تخبرني ؟ فقال : سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله ، فأذن بلال...»(3) .
وفيه بالإضافة إلى الإرسال أن رؤيا عبد الله بن زيد رويت بأشكال مختلفة لا يمكن الركون إليها ومن أراد التفصيل فليراجع محله(4) .
وهناك روايات تقول بأن أبا بكر(5) كان صاحب الرؤيا وأخرى تقول بلال ، ووصلت مجموع الذين ينسب إليهم الرؤيا أكثر من سبعة عشر رجلاً وكلها متناقضة في نصوصها ومدلولها فإن بعضها تقول إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخذ برأي عمر ، وأخرى تقول إن عمر كان في البيت عندما سمع الأذان فأسرع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخبره برؤياه ، وفي بعضها ورد بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بلالاً بالأذان وهو في مجلس التشاور ومنها ما تصرح أن أمره كان بعد ذلك عند الفجر أي بعد الشورى بليلة على أقل ما يتصور . وهذا الاختلاف يوهن في دلالة الحديث ، مضافاً إلى أن الحاكم(6) جزم ببطلان أحاديث الرؤيا حين

(1) اهتم : أي أخذه الهم والغم .
(2) عبد الله بن زيد : ابن عاصم البخاري الأنصاري ، من أهل المدينة وشهد بدراً ، قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة ، ممن روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام ، قتل يوم الحرّة عام 63هـ ، كما في الأعلام : 4/88 ، ولكن ابنته قالت بأنه قتل في معركة أُحد عام 3هـ .
(3) سنن أبي داود : 1/194 .
(4) راجع : صحيح الترمذي في باب الأذان وسنن ابن ماجة : 1/232 ، والطبقات الكبرى لابن سعد : 1/246 ، وموطأ مالك : 55 .
(5) أبو بكر : هو عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي (51 ق.هـ ـ 13هـ) ، ولي الحكم بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة 11هـ ، لَهُ في كتب الحديث 142 حديثاً .
(6) الحاكم : هو محمد بن عبد الله بن حمدويه الطهماني النيسابوري (321 ـ 405هـ) ،
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 244

قال : وإنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد في الأذان والرؤيا لتقدم موت عبد الله(1) كما شهدت ابنته بذلك في محضر عمر(2) بن عبد العزيز(3) حيث قالت : «شهد أبي بدراً وقتل بأحد»(4) .
مضافاً إلى ذلك أنه متى كان رؤيا الناس حجة في الشريعة حتى تكون كذلك .
وإن قيل : بأن التشريع إنما كان بعمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا بالرؤيا .
فيقال : بأن المهم على ما اعتمده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وبالإضافة إلى ما قدمناه فلماذا جاء التشريع عن رؤيا الصحابة ولم يأت عبر رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه بالفعل أمر غريب ! ولذلك لما طرح مسألة تشريع الأذان بالرؤيا على محمد بن الحنفية(5) فزع ابن الحنفية فزعاً شديداً وقال : «عمدتم إلى ما هو الاصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنه كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام فقال له أبو العلاء(6) هذا الحديث قد استفاض في الناس ، قال : هذا والله هو الباطل...»(7) .
كما استنكر ذلك الحسن بن علي عليه السلام قال سفيان بن الليل(8) لما

= ولد وتوفي في نيسابور ، من فقهاء الحديث ، لَهُ مصنفات كثيرة منها : تاريخ نيسابور ، الأكليل ، وتراجم الشيوخ .
(1) مستدرك الحاكم على الصحيحين : 4/387 (باب رد الصدقة من كتاب الفرائض) .
(2) عمر بن عبد العزيز الأموي : ثامن من حكم من الأمويين وذلك ما بين عام 99هـ وعام 101هـ منع سب علي عليه السلام من على المنابر ، وارجع فدك إلى أولاد فاطمة عليها السلام ، كان من الفقهاء ، وكانت ولادته عام 61هـ .
(3) راجع الإصابة : 2/312 .
(4) تهذيب التهذيب : 3/147 ، وحلية الأولياء في ترجمة عمر بن عبد العزيز .
(5) محمد بن الحنفية : مرّت ترجمته .
(6) أبو العلاء : لعله خالد بن طهمان الخفاف السلولي الذي روى عن الإمام محمد بن علي الباقر المستشهد عام 114هـ .
(7) السيرة الحلبية : 2/300 .
(8) سفيان بن الليل الكوفي : قال عنه ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان : 3/53 أنه ممن يغلو في الرفض .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 245

كان من الحسن بن علي ما كان قدمت عليه المدينة فتذاكروا عنده الأذان فقال : بعضنا إنما كان بدء الأذان برؤيا عبد الله بن زيد فقال له الحسن بن علي : إن شأن الأذان أعظم من ذلك...(1) واستنكره الإمام الصادق عليه السلام حيث روى ابن أبي عقيل(2) عن الصادق عليه السلام أنه لعن قوماً زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الأذان من عبد الله بن زيد فقال : ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد(3) .
ولا أعرف لماذا هذا الإصرار على الأخذ بهذه الروايات المتناقضة والمنقصة بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم والضعيفة السند بإرسال بعضها وعدم وثاقة الراوي في سند بعضها وإلى جانبها روايات صريحة واضحة الدلالة صحيحة السند تروي بأن الأذان والإقامة أوحى الله بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد نقل الحر العاملي(4) روايات متعددة في مسألة تشريع الأذان فيها ما هو صحيح السند وحسنه ، ومنها ما رواه بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لما هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رأسه في حجر علي عليه السلام فأذن جبرئيل وأقام ، فلما انتبه(5) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا علي ، سمعت ؟ قال : نعم ، قال : حفظت ؟ قال : نعم ، قال : ادع بلالاً فعلمه ، فدعا علي عليه السلام بلالاً فعلمه(6) .

الدليل الرابع الإجماع :

قال المجلسي(7) : «قد تقدمت الأخبار المستفيضة في كتاب العلم في

(1) المستدرك على الصحيحين : 3/187 (كتاب معرفة الصحابة) .
(2) ابن أبي عقيل : هو الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني الحذاء ، من كبار فقهاء الإمامية كان معاصراً لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329هـ ، من مصنفاته : كتاب المتمسك بحبل آل الرسول .
(3) وسائل الشيعة : 5/370 عن الذكرى للشهيد : 168 .
(4) الحر العاملي : مرت ترجمته .
(5) الانتباه من حالة الذي كان يطرأ عليه من الوحي .
(6) وسائل الشيعة : 5/369 ، عن الكافي : 3/302 ، ومن لا يحضره الفقيه : 1/183 وتهذيب الأحكام : 2/277 .
(7) المجلسي : هو محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني
=
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 246

أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة صلوات الله عليهم لا يتكلمون إلا بالوحي ولا يحكمون في شيء من الأحكام بالظن والرأي والاجتهاد والقياس ، وهذا من ضروريات دين (مذهب) الإمامية(1) .
وقال العلامة الحلي(2) : «ذهبت الإمامية وجماعة تابعوهم(3) إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء من الأحكام خلافاً للجمهور من أهل السنة»(4) .
وقال ابن حزم(5) : «إن من ظن أن الاجتهاد يجوز للأنبياء عليهم السلام في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم»(6) .
وقال الشوكاني(7) : «وهو قول جمهور المعتزلة»(8) .
وقال الامين(9) في عدّه لمميزات الإمامية : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن متعبداً بالاجتهاد فيما لا نص فيه بل لا يتعبد إلا بالوحي وما لم يوح إليه في أمره ينتظر فيه الوحي ، قال بذلك الشيعة ، وقال العضدي(10) في شرح

= (1037 ـ 1111هـ) ، من فقهاء الإمامية ، وقبره في أصفهان يُزار ، له مصنفاته الكثيرة : حلية المتقين ، اختيارات الأيام ، ومرآة العقول .
(1) بحار الأنوار : 17/155 .
(2) الحلي : مرّت ترجمته .
(3) أراد بقوله : «وجماعة تابعوهم» من غير اتباع مدرسة أهل البيت ، وهم عامة السنة .
(4) تاريخ التشريع الإسلامي : 42 عن نهج الحق وكشف الصدق : 405 .
(5) ابن حزم : مرّت ترجمته .
(6) اجتهاد الرسول : 40 .
(7) الشوكاني : مرّت ترجمته .
(8) اجتهاد الرسول : 41 .
(9) الأمين : هو محسن بن عبد الكريم بن علي الحسيني العاملي (1282 ـ 1371هـ) ولد في قرية شقرا بلبنان ومات في دمشق ، من أعلام الإمامية ، لَهُ مصنفات كثيرة منها : لواعج الأشجان ، كشف الارتياب ، ومعادن الجواهر .
(10) العضدي : هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار ايجي الشيرازي (701 ـ 756هـ) ، ولي القضاء وكان من علماء الأصول والمعاني والعربية ، من مصنفاته : آداب البحث ، عيون الجواهر ، والمواقف السلطانية .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 247

مختصر المنتهى لابن الحاجب : هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعبداً بالاجتهاد فيما لا نص فيه اختلف في جواز وقوعه ، المختار وقوعه به وبه قال أبو يوسف(1) وغيره»(2) .
وفي نهاية المطاف عن حديث السنة هناك حقيقة لا بد أن ندركها وهي أن الأحاديث المروية من أهل البيت عليهم السلام تأتي سلسلة رواتها من الأئمة المعصومين عليهم السلام ويتصل سندها بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مما لا يترك مجالاً للتغاضي عنها ، وهذا بالذات جلب انتباه علماء نيسابور ورواتها عند مرور الإمام الرضا عليه السلام منها فاظهر سند روايته قائلاً : حدثني أبي الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين شهيد كربلاء عن أبيه علي بن أبي طالب أنه قال : حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : حدثني جبرائيل قال : سمعت رب العزة سبحانه وتعالى يقول : لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي(3) .
وكانت هذه السلسلة تتجلى في بعض الأحيان وتختزل في أحيان أخرى وإلا فإن جل أحاديثهم جاءت على هذا النسق ولذلك نجد أن أحمد ابن حنبل عندما كان يروي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام يذكرها مسندة إلى آبائه إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم يقول ابن حنبل وهذا إسناد لو قرئ على المجنون لأفاق(4) .
وعليه فإنه يشكل إحدى حلقات هذه السلسلة المباركة ، ودوره يبعد دوراً كبيراً في إيصال مسائل التشريع إلينا وقد فصلنا الحديث عن هذا في محله(5) .

(1) أبو يوسف : هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري (113 ـ 182هـ) ولد في الكوفة ، ومات ببغداد ، ولي القضاء ببغداد ولازم أبا حنيفة ونشر مذهبه ، من مصنفاته : الآثار ، أدب القاضي ، والجوامع .
(2) أعيان الشيعة : 1/110 .
(3) أعيان الشيعة : 2/18 .
(4) أعيان الشيعة : 1/100 .
(5) راجع باب الحسين مدرسة من هذه الموسوعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 248

كما تجدر الإشارة إلى الإمام الحسين عليه السلام وهو الوريث العلمي والامتداد الطبيعي للأنبياء والرسل أصحاب الشرائع السماوية ومن هنا فقد جاء في زيارة الوارث التي نتلوها عند زيارته عليه السلام والمروية عن الإمام الصادق عليه السلام :
1 ـ السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله .
2 ـ السلام عليك يا وارث نوح نبي الله .
3 ـ السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله .
4 ـ السلام عليك يا وارث موسى كليم الله .
5 ـ السلام عليك يا وارث عيسى روح الله .
6 ـ السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله .
7 ـ السلام عليك يا وارث علي ولي الله .
فبدأ الإمام الصادق عليه السلام بآدم أبو البشر عليه السلام وتدرج في الحديث لذكر كل أصحاب الشرائع السماوية أولي العزم بدءاً بنوح وانتهاء بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم انتقل إلى علي عليه السلام والذي هو على رأس مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وهناك روايات ألحقت الإمام الحسن عليه السلام إلى هذا الركب فقالت : «السلام عليك يا وارث الحسن الداعي إلى الله»(1) .

(1) راجع باب الزيارات من هذه الموسوعة فصل الزيارات العامة ، وقد تطرقنا إلى مسألة الوراثة هذه ، وعناصرها وذكرنا حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث... وأضرابه .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 249

الإجماع

الإجماع في اللغة ـ على ما نحن بصدده ـ هو الاتفاق .
وفي اصطلاح الأصوليين : هو اتفاق الأمة أو الصحابة أو العلماء .
فهو إذاً الاتفاق ، ولكنهم اختلفوا في متعلقه حسب مذاهبهم على ما يلي :
1 ـ اتفاق الأمة .
2 ـ اتفاق أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
3 ـ اتفاق الخلفاء الراشدين .
4 ـ اتفاق الشيخين أبو بكر وعمر .
5 ـ اتفاق أهل المدينة .
6 ـ اتفاق أهل الحرمين مكة والمدينة .
7 ـ اتفاق أهل المصرين الكوفة والبصرة .
8 ـ اتفاق أهل الحل والعقد .
9 ـ اتفاق العلماء كافة .
10 ـ اتفاق علماء عصر واحد .
11 ـ اتفاق مجتهدي المذهب الواحد .
إلى غيرها من آراء .
ولكن الذي لا خلاف فيه بأن عامة الناس لا شأن لآرائهم في إثبات الحكم الشرعي فالمراد بالامة هم أهل الحل والعقد من الفقهاء دون غيرهم .

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 250

فالشافعي يرى أن الإجماع هو اتفاق علماء العصر على أمر فعندها يكون إجماعهم حجة ، ويعتبر إجماع الصحابة من الدرجة الأولى ـ لأنه يكون دليلاً على أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ سنة فيما اجتمعوا عليه ، وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم(1) .
وأما مالك فيرى أن الإجماع يتحقق بعلماء المدينة حيث أنها دار الهجرة وبها تَنَزَّل القرآن ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقام صحابته ، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل وبما كان من بيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للوحي وهذه ميزات ليست لغيرهم ، وعلى هذا فالحق لا يخرج عما يذهبون إليه فيكون عملهم حجة ، وقال : «إن الناس تبع لاهل المدينة»(2) .
وأما ابن حنبل فيرى أن إجماع الصحابة حجة فإنه يعتبر ما أفتى به الصحابي إذا لم يعلم له مخالف حجة وذلك من باب الإجماع السكوتي ولكنه يتورع من تسميته إجماعاً ، ويقول القطان(3) : وقول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه يكون بمنزلة الحديث المرفوع ، أما إذا كان للرأي فيه مجال فلا يخلو من أمرين :
1 ـ أن يشيع وينتشر بين الصحابة ولا يظهر خلافه ، فظاهر كلام أحمد أنه دليل مقطوع به يجب اتباعه وتحرم مخالفته ، وهم يسمونه إجماعاً بل أثر عنه قوله : «من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس قد اختلفوا» ولذلك نسبوا إليه إنكار الإجماع وحمل هذا الإنكار على أنه إنكار للإجماع العام النطقي لا الإجماع السكوتي أو اجتماع ما بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخير .
2 ـ أن لا يشيع ولا ينشر بين سائر الصحابة ولا يعرف له مخالف

(1) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 374 .
(2) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 353 .
(3) القطان : هو مناع بن خليل (1344 ـ 1420هـ) المولود في قرية شنشور المصرية ، عمل أستاذاً في الجامعات ، وأشرف على 115 رسالة جامعية ، من مصنفاته : تفسير آيات الأحكام ، مباحث في علوم الحديث ، والتكييف الفقهي للتبرع بالأعضاء وزراعتها .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 251

فإن دل عليه القياس وجب العمل به ، قال : أبو البركات(1) في المسودة(2) : «إذا قال الصحابي قولاً ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو ما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة ، نص عليه أحمد في مواضع وقدمه على القياس»(3) .
وأما أبو حنيفة(4) فلم يجعل الإجماع أصلاً من أصوله ولكن الذي يظهر من كلامه أنه يعتمد الإجماع التركيبي أي أنه لا يخالف قول الصحابة حيث يقول «فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع قول من شئت ، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم»(5) .
وأما الزيدية فهم متفقون على حجية الإجماع وهو عندهم اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي(6) ، ولا يخصصونها بإجماع أهل المدينة(7) .
وأما الإمامية فقد اختلفوا على مجيئه على آراء وفَصَّلوا القول فيه وقسموه إلى أقسام إلا أن معظمهم قالوا بحجيته بالإجمال وغالباً ما اعتمدوا ما كان فيه رأي المعصوم بالحدس أو باللطف أو بغيرهما كما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى .

(1) أبو البركات : هو عبد السلام بن عبد الله بن الخضر الحنبلي (590 ـ 652هـ) ، وهذا جد ابن تيمية ، وهو من فقهاء الحنابلة ، من مصنفاته : شرح الهداية ، تفسير القرآن العظيم ، ونيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار ، وهو أحد الثلاثة الذين صنفوا المسوّدة في أصول الفقه .
(2) المسودة : 336 .
(3) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 332 .
(4) أبو حنيفة : هو نعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي (80 ـ 150هـ) وإليه ينسب المذهب الحنفي ، ولد في الكوفة ومات ببغداد ، لَهُ ، السند في الحديث ، والمخارج في الفقه .
(5) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 332 .
(6) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/77 عن أسباب اختلاف الفقهاء : 411 .
(7) راجع مقدمة البحر الزخار : 183 ـ 184 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 252

وأما الأباضية فقد فصلوا الكلام حوله فقالوا بأن إجماع الصحابة كان حجة قبل مقتل عثمان بن عفان وقبول التحكيم وحدوث التفرقة ، أما بعدها فقالوا بعدم حجيته إلا لطائفتهم التي ثبتت على الحق ، والإجماع لا يكون إلا من أهل الحق(1) .
وبعيدا عن الخلافات حول متعلق الإجماع فإنه بالإجمال حجة عند جميع المذاهب وهو أحد الأصول المعتمدة في التشريع رغم الجدل القائم في أنه أصل برأسه أم أنه حاكٍ عن أصل ، وسنشير إلى ذلك في آخر المطاف .
واستدلوا على حجية الإجماع بالكتاب والسنة والعقل عارضين عن الإجماع للزوم الدور ، ولكنهم استدلوا بتلقي الأمة له بالقبول وهو من باب التوثيق ، حيث شذ من الفقهاء من لم يقل بحجيته(2) .

1 ـ الكتاب :

ولعل أهم ما استدلوا عليه من الكتاب آيات خمس :
الأولى : آية الاعتصام حيث يقول الله جل وعلا : « واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا »(3) وجه الاستدلال بها يتم على شكلين الأول : أن المراد بحبل الله هو الإجماع والثاني بأن الله أمر عباده بعدم التفرق بل أمر باعتماد الوحدة ، فلو اجتمعت الأمة على شيء فلا يجوز مخالفتها .
الثانية : آية الريح حيث يقول الله تعالى : « وأطيعوا الله ورسوله لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين »(4) بتقريب أن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحكام الشرعية واجبة ، فلو أن الإجماع حصل في حكم من الأحكام لا يجوز التنازع حوله .
الثالثة : آية الوسط حيث يقول الله جل وشأنه : « وكذلك جعلناكم أمة

(1) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/250 .
(2) راجع الأصول العامة : 357 عن عدة الأصول : 232 .
(3) سورة آل عمران ، الآية : 104 .
(4) سورة الأنفال ، الآية : 46 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 253

وسطاً لتكونوا شهداء على الناس »(1) وجه الاستدلال بها كما قرّبها الطوفي(2) : «أن المراد بالوسط هو الأمة المحمدية المرحومة والوسط هو العدل والخيار من الناس ولا يصدر عنه إلا الحق ، والإجماع صادر عن هذه الأمة العدول الخيار فليكن حقاً»(3) .
الرابعة : آية الشقاق حيث يقول الله عز من قائل : « ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونُصله جهنم وساءت سبيلاً »(4) ، قال الشافعي(5) في توجيه الاستدلال بها : «إن اتباع سبيل غير المؤمنين هو مخالفة الإجماع» ولكنه بعد المناظرة أنكر وجود الإجماع في هذا الفرض ، وقالوا أيضاً في توجيه الاستدلال بمفهوم المخالفة حيث حرم أتباع غير سبيل المؤمنين ، وجب اتباع سبيل المؤمنين ، ويلزم من اتباع سبيلهم أن يكون الإجماع حجة ، هكذا نقل عبد الله في تقرير الآية(6) .
الخامسة : آية الأمر بالمعروف حيث يقول الله سبحانه : « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون »(7) وجه الاستدلال بها كما قربها الطوسي(8) «قالوا وصف الله تعالى الأمة بأنها خير

(1) سورة البقرة ، الآية : 143 .
(2) الطوفي : هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الصرصري (657 ـ 716هـ) فقيه أصولي ، ولد في طوفي من أعمال بغداد ، من فقهاء الحنابلة ، توفي في الخليل ـ فلسطين ، من مؤلفاته : بغية الحاصل في أصول الفقه ، مختصر الجامع الصحيح للترمذي ، بغية الشامل في أمهات المسائل .
(3) الأصول العامة : 259 عن مصادر التشريع الإسلامي : 100 ، عدة الأصول : 234 .
(4) سورة النساء ، الآية : 115 .
(5) الشافعي : مرّت ترجمته .
(6) الأصول العامة : 358 عن سلم الوصول : 272 .
(7) سورة آل عمران ، الآية : 110 .
(8) الطوسي : هو محمد بن حسن بن علي (385 ـ 460هـ) المشهور بشيخ الطائفة ، جاء من خراسان ونزل بغداد ثم سكن النجف وفيها مات ، من أعلام الإمامية ، من مصنفاته : الإيجاز ، الغَيبة ، والمبسوط .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 254

الأمة وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فلا يجوز أن يقع منها خطأ لأن ذلك يخرجها من كونها خياراً ويخرجها من كونها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر إلى أن تكون آمرة بالمنكر وناهية عن المعروف ، ولا ملجأ من ذلك إلا بالامتناع من وقوع شيء من القبائح من جهتهم»(1) .

2 ـ السنة

فقد ذكروا مجموعة من الروايات غير الناهضة بالدليل على حجية الإجماع نذكر أقواها وهو حديث : «لا تجتمع أمتي على الخطأ»(2) أو «لا تجتمع أمتي على ضلالة»(3) أو «سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها»(4) أو «لا تجتمع هذه الأمة على ضلال»(5) وقد رواها عدد من الصحابة وأوردها الرواة من جميع المذاهب السبعة في كتبهم واعتمدوها بشكل أو بآخر .
قال الكاظمي(6) : «وأقوى ما ينبغي أن يعتمد عليه من نقل حديث لا

(1) عدة الأصول : 242 .
(2) الألفين : 110 .
(3) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف : 7/70 ، عن الدرر المنتثرة للسيوطي : 180 ، وكشف الخفاء للعجلوني : 2/488 ، والأسرار المرفوعة للقاري : 86 ، بحار الأنوار : 5/20 ـ 68 ، في البحار أيضاً : 28/104 : (ولا تجتمع أمتي على الضلال أبداً) .
(4) كنز العمال : 14/49 (37904) ، موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف : 5/187 ، عن كشف الخفاء : 2/488 ، والأسرار المرفوعة : 87 ، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر : 2/24 ، وفي الجامع الكبير : 2/771 : (سألت ربي أن لا يجمع أمتي على ضلالة) ، وفي كنزل العمال : 11/174 (31101) : (سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة ، سألته أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها...) ، وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل : 6/396 : (سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة) .
(5) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف : 7/70 ، عن تلخيص الحبير لابن حجر : 3/141 .
(6) الكاظمي : هو أسد الله بن إسماعيل التستري (1186 ـ 1237هـ) من أعلام الإمامية ، فقيه أصولي درس في كربلاء ، والنجف وسكن الكاظمية حتى توفي بها ، من مؤلفاته : مقابس الأنوار ، منهج التحقيق ، والمنهاج .

السابق السابق الفهرس التالي التالي