دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 255

تجتمع أمتي على الخطأ وما في معناه لاشتهاره وقوة دلالته ، وتعويل معظمهم ولا سيما أوائلهم عليه وتلقيهم له بالقبول لفظاً ومعنىً ، وادعاه جماعة منهم تواتره معنىً ، وموافقة العلامة(1) من أصحابنا لهم على ذلك في أوائل ـ كتابه ـ المنتهى وادعائه في آخر المائة الأول من كتاب الألفين أنه يتفق عليه أي بين الفريقين(2) وتعداده في ـ كتاب ـ القواعد من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عصمة أمته بناء على ظاهرها ، وكذا في ـ كتابه ـ التذكرة مع التصريح بعصمتهم من الاجتماع على الضلالة ووروده من طرقنا أيضاً»(3) .
وقال العلامة في الألفين : «لا تجتمع أمتي على الخطأ» خبر متفق عليه(4) . وذكر غير واحد من الفقهاء بأنه بلغ الحديث حد التواتر إلا أن جماعة ناقشوا تواترها المعنوي وأقروا بأنها ليس أقل ، مستفيضة .

3 ـ العقل

فملخص ما استدلوا به ستة أوجه :
1 ـ طريقة الشرف وهي القائلة بشرف دخول المعصوم في المجمعين وعرف بالإجماع الدخولي ، وقد التزمها السيد المرتضى(5) حيث قال : إذا كان علة كون الإجماع حجة كون الإمام فيهم فكل جماعة كثرت أو قلّت كان الإمام في أقوالها فإجماعها حجة(6) .
2 ـ طريقة اللطف وهي القائلة بلطف الله على العباد في أن لا يصدهم من الوقوع في الخطأ الجماعي وقد التزمها الشيخ الطوسي وكانت قد ظهرت على أيام السيد المرتضى ، وتقريبها : إن على الله من باب اللطف

(1) العلامة : مرّت ترجمته .
(2) الفريقين : السنة والشيعة .
(3) كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع : 6 .
(4) الألفين : 110 .
(5) السيد المرتضى : هو علي بن حسين بن موسى (355 ـ 436هـ) ولد ومات ببغداد ، من أعلام الإمامية ، كانت لَهُ نقابة الطالبيين في بغداد ، من مصنفاته : الأمالي ، الشافي في الإمامة ، وتنزيه الأنبياء .
(6) أصول الفقه : 2/95 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 256

بالعباد أن لا يجعلهم يجمعوا على خطأ وذلك بأن لا يمنعهم عن التقرب والوصول إليه بل عليه أن يكمل نفوسهم القابلة ويرشدهم إلى مناهج الصلاح ويحذرهم عن مساقط الهلكة وهذا هو السبب في لزوم بعث الرسل وإنزال الكتب وعليه فلو اتفقت الأمة على خلاف الواقع في حكم من الأحكام لزم على الإمام المنصوب حجة على العباد ، إزاحة الشبهة بإلقاء الخلاف بينهم فمن عدم الخلاف نكشف موافقة رأي الإمام عليه السلام دائماً ، ويستحيل تخلفه»(1) وفي الحديث : «إن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»(2) وقال الله عز شأنه : « والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا »(3) .
3 ـ طريقة الخلف وهي طريقة ترى أن الحجم الغفير من أهل الفضل والذكاء مع استفراغ الوسع في الاجتهاد وإمعان النظر في طلب الحكم يمتنع في العادة اتفاقهم على الخطأ(4) ، بتقريب أن من الخلف أن تتفق الأمة على الخطأ ويد الله مع الجماعة ، ومن الخلف أيضاً أن يترك الله الفقهاء الذين بذلوا غاية وسعهم في سبيل معرفة الحكم الإلهي فلم يهدهم سبله كما ورد في الآية « والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا » .
4 ـ طريقة الكشف وهي أن يكشف الإجماع لنا عن وجود دليل معتبر لدى الفقهاء بحيث جعلهم يجمعون على الحكم بحيث لو وصلنا لسلكنا مسلكهم .
5 ـ طريقة التشرف وهي تعكس رأي المعصوم عليه السلام بواسطة الرؤية المباشرة له ، وهذا يختص بعصر الغيبة كما نقل من أن الشيخ الأردبيلي(5)

(1) الأصول العامة : 265 .
(2) مجمع البحرين : 5/52 .
(3) سورة العنكبوت ، الآية : 106 .
(4) الأصول العامة : 264 عن مصادر التشريع : 106 .
(5) الأردبيلي : هو أحمد بن محمد الغروي الحائري (... ـ 993هـ) المشهور بالمقدس الأدربيلي ، ولد في أردبيل ومات في كربلاء ودفن في النجف ، من فقهاء الإمامية وزهادها ، من مصنفاته : زبدة البيان في شرح آيات أحكام القرآن ، استيناس المعنوية ، وحديقة الشيعة .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 257

والسيد بحر العلوم(1) تشرفا بلقاء الإمام المهدي عليه السلام وأخذا منه بعض الأحكام التي استعصت عليهم ، وبما أنهم لا يريدون الإفصاح عن تشرفهم بلقاء الإمام عليه السلام وأخذ الحكم منه مباشرة فينسبونه إلى الإجماع ، ولعل هذا هو المقصود به أيضاً عند الفرقة الكشفية التي ترى بأن الفقيه المرجع يحصل له مكاشفة المعصوم عليه السلام ويأخذ منه بعض الأحكام المستعصية والله العالم بحقائق الأمور .
6 ـ طريقة الطيف(2) وهي الطريقة الحدسية ، وهي في الحقيقة العلم الحاصل بوجود رأي المعصوم فيما اتفق علماء الإمامية عبر الحواس الباطنة ، وإن شئت سمِّه العقل أو الذهن بتقرير «أن الفقهاء الذين يتقيدون ولا يخالفونه قيد شعرة إذا اجتمعوا على حكم ما من أحكام الشريعة والمنسوبة إلى الله تعالى ، يتبادر إلى الذهن من هذا الإجماع إلى أن المعصوم موافق لهم وإلا فما كانوا ينسبونه إلى الشرع(3) .
هذا تمام الاستدلال لحجية الإجماع بشكل عام ولكن يرد على هذه الأدلة أمور :

1 ـ على الكتاب

فبالنسبة إلى آية الاعتصام فإنها منصرفة عن مسألة الفتيا باتفاق المفسرين ، أما أن يكون المراد بحبل الله هو الإجماع فيحتاج إلى دليل وهو معدوم ، وأما أن كون الآية دالة على عدم التفرق وعلى اعتماد الوحدة فواضح لا خلاف فيه ، وأما أن الأمة إذا اجتمعت على أمر فلا يجوز مخالفتها فلا تدل عليها الآية .
وأما آية الريح : فهي أيضاً منصرفة عن مثل مخالفة الإجماع إلى عدم جواز اقتتال المسلمين والتنازع فيما بينهم ، وهي لا تتكفل بإثبات المُدّعى لأنها لا تثبت موضوعها بداهة .

(1) بحر العلوم : هو محمد مهدي بن مرتضى بن محمد الحسني الحسيني الطباطبائي (1155 ـ 1212هـ) من فقهاء الإمامية وأعلامها ، من مصنفاته : تحفة الكرام ، الفوائد الرجالية ، والاثنى عشريات في المراثي .
(2) الطيف في اللغة هو مطلق الخيال ، أو الخيال المطلق ليشمل كل المعقولات .
(3) الوصول إلى كفاية الأصول : 3/439 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 258

وأما آية الوسط فلا دلالة لها على أن المسلمين كلهم عدول أخيار ، بل المراد بها المبادئ التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالامة هي أمة الإسلام لا أمة المسلمين ، وعلى فرض صحة الادعاء فإن الآية تثبت نزاهتهم ، أما عدم صدور الخطأ منهم فهذا من ملازمات العدالة التي لا تدل عليها الآية بأي وجه من الوجوه ، ونقل الحكيم عن الطوفي : «والعدل إنما يلزم صدور الحق منه بطريق الظاهر فيما طريقه الصدق والكذب وهو نقل الأخبار وأداء الشهادة ، أما فيما طريقه الخطأ والصواب في استخراج الأحكام والاجتهاد فيها فلا»(1) .
وأما آية الشقاق فهي أجنبية عن الموضوع تماماً ، وعلى فرض تماميتها فإن موضوعها فيما تبين له الهدى ، أما فيما لم يتبين له الهدى وهو الفرض الذي نتحدث عنه فإنه بالإجماع لا يتبين الهدى بل نريد أن نلتمس لما لم يتبين الهدى دليلاً وهو الإجماع ليتبين الهدى ولذلك نجد أن الغزالي رد على ذلك بقوله : «والظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاققه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته وتصرفه ودفع الأعداء عنه نوله ما تولى ، فكأنه لم يكتف بترك المسافة حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين في تصرفه والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم»(2) وظاهر الآية ليس في المسلمين فيما بينهم بل بينهم وبين أتباع الديانات الأخرى .
وأما آية الأمر بالمعروف فهي لا تدل على عصمة هذه الأمة من الوقوع في الخطأ بل تدل على أنهم أفضل من سائر الأمم فيما إذا التزمت بالمبادئ .
والغريب أن هذه الاستدلالات تؤخذ مجردة من الواقع المعاش ، وإلا فأين تلك الأمة التي لا تجتمع على خطأ ؟ ، وأين دور المسلمين في العمل بالأحكام الشرعية ؟ هذا إذا أريد بالأمة المسلمون جميعاً ، وإن أريد به الفقهاء منهم وأهل الحل والعقد فإن كل طائفة تطعن بالاخرى في مبادئها وفي فقهائها ولا تعتمد لها رأياً ، فأين إجماعهم بالشكل العملي الذي يطرح

(1) الأصول العامة : 259 عن رسالة الطوفي : 103 .
(2) أصول الفقه للخضري : 279 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 259

حين تطرح النظريات ؟ ، وإن أريد به ما يتفق عليه المسلمون من الأحكام مثل كون صلاة الصبح ركعتين مثلاً فمثل هذه المسائل لا يعد من الإجماع بل من الضروريات .
وعلى فرض تماميتها ففي الحقيقة أنها لا تدل على حجية الإجماع بالإجمال أما اتفاق أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً أو أهل المدينة أو علماء العصر الواحد فلا يمكن فهم هذه الخصوصية منها ، نعم غاية ما يمكن فهمه أمة المسلمين أو أمة الفقهاء وقد نوقشت ، ولذلك فلا بد من التماس دليل آخر غير الآيات .

2 ـ على السنة :

وأما بالنسبة إلى ما أوردوه من الأحاديث للدلالة على حجية الإجماع فقد سبق وأشرنا إلى أنها غير ناهضة على ذلك ومع هذا نستعرض بعض الأحاديث السابقة وقبل البدء بالنقاش لا بد من التذكر بأننا أعرضنا عن كثير من الروايات لضعف سندها أو عدم دلالتها أو أنها موضوعة من قبل الحكام لأجل ترسيخ مكانتهم أو ما أشبه ذلك ، فلذلك لا سبيل إلى مناقشتها في هذا الموجز .
فبالنسبة إلى مضمون حديث : «لا تجتمع أمتي على الخطأ» ، فقد أشكل عليه الطوفي بعدم تواترها ، ولعل البعض الآخر أراد توثيقها بعمل الأصحاب بمضمونها ، وهذا وإن كان يجبر ضعفهما إلا أنها لا تنهض بالدليل على قول من خصص الإجماع بجماعة خاصة كأهل المدينة أو علماء العصر أو أمثال ذلك ، إذ الوارد في الحديث كلمة «الأمة» وإنما يتم على قول من يرى بحجية إجماع الأمة وعندها يخرج عن محل النقاش لما قدمناه في الرد على من استدل بالآيات على حجية الإجماع .
وكيف كان فلا بد من اللجوء إلى الدليل العقلي لعله يشفي الغليل .

3 ـ على العقل

وأما بالنسبة إلى الأدلة العقلية التي طرحت في هذا المجال ، فنقول :
بالنسبة إلى الطريقي الشرفي (والإجماع الدخولي) فلا شك بأن فقهاء الإمامية إذا قطعوا بوجود المعصوم في المجمعين فهو حجة لهم قطعاً

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 260

وعندها لا اعتبار بعدد المجمعين ، ولكن المسألة عندها تخرج عن محل النقاش لأن الإجماع هو اتفاق فقهاء العصر الواحد على أقل تقدير ، وهذا ما لم يحصل ، وعلى فرض قبوله فإن حجيته تتوقف على أمور :
1 ـ أن يكون في المجمعين عددٌ من الفقهاء غير المعروفين .
2 ـ القطع بأن المعصوم في جملة الفقهاء غير المعروفين .
3 ـ أن لا يستند إجماعهم على دليل آخر من الأدلة العقلية أو النقلية ، وإلا كان كاشفاً للدليل وليس دليلاً واصلاً برأسه .
ولا يشترط في حجية مثل هذا الإجماع أن يكون المجمعون من المتقدمين الذين يصل عهدهم بعصر المعصوم لأن العصور المتأخرة لم تخل من المعصوم على ما ذهبت إليه الإمامية . ولكن كيف للفقيه القطع بأن المعصوم في المجمعين ، وعلى فرضه فهذا إنما يتم على عقيدة الإمامية دون غيرهم بالإضافة إلى أن في تسميتها بالإجماع مسامحة .
* وأما بالنسبة إلى قاعدة اللطف والتي لا بد وأن يكون لها مخالف في كل العصور فيرد عليه أمور :
1 ـ هل اللطف خاص بأتباع مدرسة الإمامية فلا يشمل لطفه تعالى غيرهم ؟ ؛ وهذا التخصص يتنافى مع أصل اللطف وهو مستحيل ، وإن قيل يشمل الكل فلا بد عندها أن يؤخذ إجماع غيرهم في المسألة بعين الاعتبار واتفاق الكل في مسألة غير متحقق الوقوع .
2 ـ من أين لنا أن نحصر كل الفتاوى في كل العصور حتى نقطع بعدم وجود رأي مخالف للإجماع ، ولو قيل يكفي أن يكون لعصر واحد فنقول بأن حكم الله الواقعي حسب هذه القاعدة سيتعدد وهو خلاف المقصود ، بالإضافة إلى أنه مستحيل .
3 ـ لقد قال الله تبارك وتعالى : « إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً »(1) حيث ألطف الله بعباده فبين لهم السبيل عبر إرسال الأنبياء وبين لهم الأحكام ، وليس بحاجة إلى تسييره إلى درجة أن لا يختار ما هو غير

(1) سورة الإنسان ، الآية : 3 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 261

مطابق لحكمه كما أرادوا الاستفادة من قاعدة اللطف وإلا فمال بال سائر الأمم التي تنحرف أليس الله لطيف بعباده .
4 ـ وبالنسبة إلى آية «جاهدوا» فلا يفهم منها مسألة الإفتاء أولاً ، وأنه تخصيص للطف الله بجماعة دون أخرى ثانياً ، واستبعاد اختصاصها بمن استنبطوا الحكم ثالثاً ؛ هذا فمآل الموارد الخلافية ألا يشملنا أو يشملهم لطف الله ؟ فإن كان من باب اللطف كان عليه أن لا يجعل الفقهاء يختلفون إذ لا شك أن كل الفتاوى لا يمكن أن تكون مطابقة للواقع (حكم الله) فلماذا اختصاص اللطف بمورد الإجماع فقط ، وبعبارة أخرى فلو اختلف الفقهاء في مسألة على رأيين وكان اتباع الرأي الأول 99% من المؤمنين واتباع الرأي الآخر 1% من المؤمنين فكان حكم الله ـ فرضاً ـ مع الثاني فإن لطفه حسب قاعدة اللطف لا يشمل 99% ولكنهم إذا اتفقوا على ما هو خلاف للواقع فإن لطف الله يشمل 100% دون غيرها من الموارد وهذا بعيد جداً .
5 ـ هل ان اللطف الإلهي حسب قاعدة اللطف لأجل عباده أم لأجل أحكامه بمعنى أن الغرض من اللطف أن لا يعمل العباد ما يضرهم ، وعليه فإن إلقاء الخلاف بينهم حتى ألا يجتمعوا على الخطأ يوجب عمل الكثير بما يضرهم ، وإن كان الغرض من اللطف الإلهي لأجل أن لا ينسب الحكم غير الواقعي إلى الله ، وذلك بتقريب أن الإجماع كاشف عن حكم الله الواقعي فلا معنى للطف أولاً ، كما لا دليل على أن ما يجمع عليه الفقهاء هو حكم الله الواقعي إلا بهذه القاعدة ثانياً ، إلا اللهم أن الغرض هو أن يكون لحكم الله الواقعي مورد تطبيقي وإن قلّ ، فينطبق هذا شرط أن تكون في الفتاوى ما يطابقه ، أي شرط أن يشمل قاعدة اللطف الإجماع المركب أيضاً ، إلا أنه لا يمكن تسميته باللطف حيث لم يشمل العباد على ما يفهم ممن قال بقاعدة اللطف أن يكون متعلقة العباد . وعلى أية حال فإن قاعدة اللطف لا يمكن أن تنهض بالمدعى إلا لمن قطع بها وعندها فهي حجة من باب القطع لا الإجماع .
هذا وقد أشرنا إلى أن لطفه بعباده ظهر في إرسال الأنبياء والتبليغ وإقامة البراهين وما إلى ذلك فلا دليل على أنه ملزم بأكثر من ذلك ، ولا

دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 262

ننكر بأن لطفه سبحانه غير محدود إلا أنها تصبح قاعدة في مثل هذا المورد لا دليل عليه بحيث يستند إليه الحكم الشرعي .
6 ـ وأما الحديث الشريف فعلى فرض تمامية سنده فإنما يدل على أن الأرض لا تخلو من الحجة ، أو لا تخلو من المصلحين ، وهو أجنبي عن الإجماع .
* وأما بالنسبة إلى دليل الخلف وبغض النظر عن أنه ليس خلفاً منطقياً(1) في هذا المورد لأنه لم يستجمع شرائطه إلا أنه يرد عليه أولاً : بأن الاتفاق بحد ذاته أو بشكل عام لا يدل على كون الحق معهم فكثيراً ما يُرى خلافه . ثانياً : إن مورد الحديث أو الآية ليس الإجماع كما بيناه سابقاً حتى ينتقض بعدم العمل بالإجماع ويوجب الخلف.
* وأما بالنسبة إلى الكشف فإنه يتم بالشروط التالية :
1 ـ أن لا يصرح من المجمعين بمدرك لإجماعهم بل يشترط أن لا يُحتمل ذلك أيضاً لأن الأنظار تتجه نحو تقييم ذلك المدرك .
2 ـ أن يكون الإجماع قد عقد من قبل فقهاء عصر الغيبة الصغرى لاتصال عهدهم بعهد الرواة ليكون احتمال التماس الدليل وارداً .
3 ـ أن لا يصلنا من عصر ما قبل الغيبة الصغرى ما ينفي الرأي المجمع عليه لئلا يتلاشى موضوع الكشف أصلاً .
4 ـ أن لا يحتمل وجود دليل عقلي استندت مسألة إليه وذلك لاستمرارية احتمال أن يكون خلفية الإجماع دليل نقلي غاب عنّا(2) .
5 ـ أن لا ينتهي الإجماع إلى قول فقيه واحد اعتمد الآخرون عليه وإلا فيخرج من محل النزاع .
ولو تمت هذه المقدمات وقلنا بأن من المستحيل أن يتفق هؤلاء

(1) الخلف المنطقي : هو قبول أحد النقيضين حيث لا يمكن رفعهما معاً لأنهما في دائرة الوجود والعدم فإثبات أي طرف ملازم لإبطال الطرف الآخر .
(2) راجع دروس في علم الأصول : 2/131 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 263

الفقهاء على أمر دون أن يستند رأيهم إلى قول المعصوم أو تقريره أو عمله فيرد عليه .
أولاً : إن مرجع هذا الإجماع إلى السنة وليس أصلاً برأسه .
ثانياً : أن السنة التي كشف الإجماع عنها لا بد من تقييمها مباشرة فقد لا تكون حجة بالنسبة لنا لاختلاف المباني الرجالية ، والقول بأن تقبل الأصحاب لها بالقبول لا يوجب الوثاقة إذا اختلفت المباني الرجالية فيما له ارتباط بمثل هذا المورد .
ثالثاً : إن مستند الإجماع إذا كان حديثاً(1) فلا بد وأن يكون قد وصلنا ذلك الحديث أو أنهم قد يصرحون عنه أثناء مناقشاتهم ، ولكن هذا لم يحدث ، فاحتمال استنادها إلى حديث المعصوم ضعيف ، مع العلم أن من ديدن الفقهاء الماضين ذكر نصوص الأحاديث في فتاواهم ، نعم نكتشف من هذا الإجماع وجود بعض المبررات التي جعلتهم يعقدون الإجماع على هذه المسألة أو تلك ، والحديث إحدى تلك المبررات المحتملة .
رابعاً : أن مثل هذا الإجماع يختص بالإمامية القائلة بغيبة الإمام المهدي عليه السلام أولاً ، ولا يشمل إجماع فقهاء ما بعد عصر الغيبة ثانياً .
* وأما بالنسبة إلى التشرف بخدمة المعصوم عليه السلام فيرد عليه :
أولاً : من أين لنا أن نعلم بأن مدعي الإجماع قد تشرف بلقاء المعصوم إذ المفروض أنه لم يظهر ذلك ، ولقد أمرنا بتكذيب مدعيه لو أظهر ذلك .
ثانياً : وعلى فرض تشرفه فلا بد من القطع بأنه الذي تشرف بخدمته هو المعصوم إذ ربما توهم ذلك أو ظن بأنه المعصوم لملابسات قد تحدث من باب الصدفة .
ثالثاً : وعلى فرض القطع بذلك فهو حجة له دون غيره ، وبالنسبة إلى

(1) إذ لا معنى لأن يكون من الكتاب إلا على القول بالتحريف الذي رفضه جل علماء المسلمين من كافة المذاهب الإسلامية ، والذي لا نقول به أيضاً .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 264

الغير لو ثبتت حجيته فلا بد من التعامل معه معاملة خبر الثقة للحديث ، كما لا بد من مناقشة الدلالة أيضاً .
رابعاً : إن هذا يتم على رأي الإمامية الأصولية دون سواهم ، ومع هذا فهو محل خلاف حتى عند الإمامية إذ أن الفرقة الكشفية تقول بالمكاشفة بين المرجع والمعصوم بصورها المختلفة وهو ما يرفضه الفقهاء الأصوليون .
* وأما بالنسبة إلى الطيف والمعبر عنه بالحدس الخارج عن الحواس الخمس الظاهرة والذي له ارتباط وثيق بالنفس ، والتي قد يعبر عن بعض أقسامها هذه الأيام بالحاسة السادسة وكثيراً ما تصدق ، فيرد عليه :
أولاٍ : أنه لا يوجب اليقين ولا يمكن أخذ الأحكام الشرعية بما مصدره الحدس فإن دين الله لا يصاب بالعقول فكيف بالحدس الذي أقل منه .
ثانياً : إن الفقهاء قد يختلفون في حدسهم هذا فلا يمكن ضبطه بمعيار .
ثالثاً : إن كان المراد بالحدس هو ما يعادل القطع واليقين فهو حجة بذاته ، وإن أريد به التبادر الذهني كما عرّفه بعضهم(1) ، او أريد به الحدس المعروف بين الفلاسفة والمنطقيين فهم اختلفوا في قيمته إلى فريقين ، فريق يقول : «بأن المعرفة الحدسية أكمل صورة للمعرفة والأصل في الاكتشاف العلمي ما دامت لا تتردد ولا تتعثر بل تدرك جوهر موضوعها وحقيقته الذاتية لأول وهلة ، بينما يرى فريق آخر أن المعرفة الحدسية هي ذاتية في صميمها ولا تصلح لأن تكون ركيزة للعلم الذي يهدف إلى الكشف عما بين الظواهر من علاقات موضوعية»(2) .
وإن أريد بالحدس ما يقال (الحاسة السادسة) ولا نظن ذلك فإن أرباب الحدس رغم تحقق حدسهم غالباً هم من ضعفاء النفوس ولا يمكن

(1) حيث قيل أنه يمثل المبادئ المترتبة في دفعه من غير قصد واختيار سواء كان بعد الطلب أو لا ، فيحصل المطلوب وهو مأخوذ من الحدس بمعنى سرعة السير ولذا عرفه المشهور بسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطلوب راجع الأسفار : 1/326 ، الدستور : 2/16 ، الكشاف : 1300 .
(2) المنطق : 50 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 265

الاعتماد عليهم في أمر من الأهمية كهذا ، والعقلاء لا تتبنى هذه الطريقة في معاملاتهم وأمورهم .
والواقع أن المراد بالحدس هنا هو ما يمليه العقل بالأدوات المنطقية ليصل إلى درجة اليقين وقد ناقشنا ذلك .
رابعاً : إن المظفر(1) ذكر «بأنه ينبغي أن يقع الإجماع على طريقة الحدس في جميع العصور من عصر الأئمة إلى العصر الذي نحن فيه لأن اتفاق أهل عصر واحد مع مخالفة من تقدم يقدح في حصول القطع بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممن يعتد بقوله فضلاً عن مجهول النسب»(2) وهذا ما يصعب تحققه .
وعلى كل فلا يمكن الركون إلى الإجماع بهذه الأدلة لإثبات حجيته بالاستقلال وبالأخص فيما لا يمكن القطع به كما أنه غير مطرد في كثير من المسائل ، وعلى فرض التسليم بأنه قد يستقر على أرضية صلبة إلا أن هذه الأدلة مختلفة ألسنتها ولم تستقر على أمر واحد ، ولا يمكن أن يعطى للإجماع قيمة كبرى تجعله في مصاف الكتاب والسنة وحكم العقل ، وغاية ما يمكن أن يقال في هذا المجال هو عد الإجماع غير الموجب للقطع في مصاف الشهرة والسيرة .
نعم إن أي إجماع يمكن أن يكون مؤيداً للمسألة يصعب تجاوزه بسهولة ودون إقامة دليل يمكنه القيام في قباله ، واما اعتباره دليلاً لوحده فمن الصعوبة بمكان .
هذا ولا يستشكل على استدلالنا في الأبحاث المتقدمة واللاحقة بالإجماع ، وذلك لأننا نورده من باب المؤيدات أولاً ومجاراة للأصحاب ثانياً .
وفي ختام البحث عن الإجماع لا بد من الإشارة إلى مرتبة

(1) المظفر : هو محمد رضا بن محمد بن عبد الله (1322 ـ 1384هـ) من العلماء الأصوليين ، ولَهُ ديوان شعر ، من مصنفاته : المنطق ، السقيفة ، وتحقيق كتاب (تذكرة الفقهاء) للعلامة الحلي .
(2) أصول الفقه : 2/97 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 266

الإجماع وإلى أقسامه ، أما الأول فعلى فرض حجيته فالظاهر أن مرتبته عند الإمامية لا بد وأن تكون بعد العقل أي في المرتبة الرابعة لأنه ليس بأصل عندهم حسب بعض المباني التي قدمناها ، وأما من جهة أخرى فبما أنه كاشف عن رأي المعصوم فلا بد وأن تكون مرتبته بعد السنة لأنه من نوافلها(1) .
هذا وقد جعله الشافعي في المرتبة الثالثة(2) ، ولكن يظهر من كلامه الذي أوردناه في أول حديثنا عن الإجماع أن إجماع الصحابة ليس أصلاً بذاته ، حيث قال في تعليل حجيته : «لأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنةً فيما اجتمعوا عليه وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم»(3) .
وأما مالك فقد جعل إجماع أهل المدينة في الدرجة الثالثة حين قدمه على القياس وعلى العمل بخبر الواحد كما قدمه على قول الصحابي ، وذلك لأنه علّق على عمل عمر بن الخطاب الذي أورده في كتابه الموطأ : «إن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد فسجد الناس معه ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا» فعلق مالك على ذلك قائلاً : «ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد»(4) .
ويظهر من قول أبي حنيفة أنه جعل الإجماع في المرتبة الثانية حيث

(1) وجاء في كتاب الثقافة والثقافة الإسلامية : 378 بعد أن ذكر اختلاف معقد الإجماع بين إجماع أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو العلماء ، أو الصحابة أو أهل المدينة «ولكنهم اتفقوا جميعاً على أن الإجماع دليل شرعي لأنه يكشف عن قول أو إقرار أو فعل قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأصبح شائعاً بين هذه الفئة أو الجهة أو الأمة جميعاً فيما بعد» مما يدل على أن حجيته لمكان الكشف فيرجع أمره إلى السنة وما دام كذلك فلا بد إما عدم عدّه من الأصول لأنه كاشف عن السنة وليس أصلاً أو عدّه على أكثر التقادير من نوافل السنة .
(2) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 374 .
(3) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 374 .
(4) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 354 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 267

عزم على عدم مخالفته لإجماع الصحابة على حكم(1) .
وأما الإباضية فالظاهر من استدلالاتهم أنهم يجعلونها في الدرجة الثالثة كما هو حال الظاهرية(2) .
وأما الزيدية فيظهر من استدلالاتهم أن مرتبته تأتي في الدرجة الثالثة(3) .
وأما الثاني وهو أقسام الإجماع فهو كالتالي :
1 ـ الإجماع الدخولي : هو الذي يعتقد بدخول المعصوم في جملة المجتمعين ، وهي الطريقة التي اختارها الشريف المرتضى والتي سبق واستعرضناها باسم الشرفي .
2 ـ الإجماع السكوتي : هو الذي سكت الصحابة عن مخالفة ما حكم به أحدهم ، وهو الذي اختاره ابن حنبل من دون أن يسميه إجماعاً ، ويقابله الإجماع النطقي(4).
3 ـ الإجماع المنقول : هو الذي لم يتتبعه الفقيه بنفسه بل نقله عمن تتبعه بنفسه سواء كان النقل بواسطة واحدة أو أكثر .
4 ـ الإجماع المحصل : هو الذي تتبعه الفقيه من فتاوى الفقهاء بنفسه حتى حصل عليه مباشرة دون أي واسطة .
5 ـ الإجماع البسيط : هو الاتفاق على رأي معين في المسألة مباشرة وهو في قبال المركب .
6 ـ الإجماع المركب : هو الذي يتركب من عدد من الفتاوى في المسألة إلا أن الجميع متفقون على نفي رأي آخر غيرهما ، وللمثال فلو كان

(1) تاريخ التشريع الإسلامي للقطان : 354 .
(2) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب : 3/250 .
(3) راجع مقدمة البحر الزخار : 183 ـ 184 .
(4) الإجماع النطقي : ويقال له الإجماع الصريح ، وهناك من يقسم الإجماع إلى قسمين : الإجماع الصريح ، والإجماع السكوتي ؛ راجع مبادئ القانون الدستوري : 94 .
دائرة المعارف الحسينية ـ الحسين والتشريع الإسلامي ـ 1 268

في المسألة رأيان ، وأجمع الطرفان على نفي رأي ثالث فهو المركب .
7 ـ الإجماع التركيبي : هو الذي لا يخالف الأقوال الموجودة مهما بلغت الأقوال ، أي لا يحدث قولاً آخر ، وهو ما اختاره أبو حنيفة بالنسبة إلى قول الصحابة ، وفي الحقيقة يمكن دمجه بشكل من الأشكال في الإجماع المركب لأنه في الواقع ينقسم إلى قسمين .
8 ـ الإجماع الافتراضي أو التعليقي : وهو ما يعتمد على قبول نظرية ، فلو التزم بها لكان الإجماع قائماً عليها ، وقد سبق وقلنا ان قبول سنة أهل البيت عليهم السلام لو افترض قبول العامة بالعصمة للزم القول بحجيتها دون مناقشة ، وبما أن العصمة ثابتة بما لا ينكر فالإجماع قائم(1) .
هذا بالإضافة إلى الأقسام التي استعرضناها لدى الاستدلال على حجية الإجماع .

(1) وهذا مثل قولك أن الأرض كروية بالإجماع الافتراضي أو التعليقي ، أي أن هذا الأمر وان أنكره معظم الناس مثلاً ، وذلك لأن الإنسان إذا طوى المسافة من مكان وجد نفسه فيه ثانية أو أنه طار إلى الفضاء وجدها كروية فهو إذا متعلق بهذا اليقين والذي هو مسلم عند لا بمجرد العقيدة بل بالشيء الوجداني أو العلمي الذي لا مجال لمناقشته . فإنك تقول أنه الإجماع الافتراضي أي بفرض معرفتهم لهذا الأمر فهم قائلون بذلك .

السابق السابق الفهرس التالي التالي