متن الكتاب
الملهوف على قتلى الطفوف



( 80 )


( 81 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتجلي لعباده من أفق الألباب ، المجلي عن مراده بمنطق (1) السنة والكتاب ، الذي نزه أولياءه عن دار الغرور ، وسما بهم إلى أنوار السرور.
ولم يفعل ذلك محاباةً (2) لهم على الخلائق ، ولا إلجاءً لهم (3) إلى جميل الطرائق (4).
بل عرف منهم قبولاً للألطاف ، واستحقاقاً لمحاسن الأوصاف ، فلم يرض لهم التعلق بحبال الإهمال ، بل وفقهم للتخلق بكمال الأعمال.
حتى عزفت (5) نفوسهم عمن سواه ، وعرفت أرواحهم شرف رضاه ، فصرفوا أعناق قلوبهم إلى ظله ، وعطفوا آمالهم نحو كرمه وفضله.
فترى لديهم فرحة المصدق بدار بقائه ، وتنظر عليهم مسحة المشفق من أخطار لقائه.
____________
(1) ر : بنطق.
(2) ع : بهم محاباةً.
والمحاباة : العطاء بلا من ولاجزاء.
(3) ر : ولا إلجاءهم.
(4) ر : الطريق.
(5) ع : فرغت.
وعزفت بمعنى : سلت.

( 82 )

ولا تزال أشواقهم متضاعفة إلى ما قرب من مراده ، وأريحيتهم (6) مترادفه نحو إصداره وإيراده ، وأسماعهم مصغية إلى استماع (7) أسراره ، وقلوبهم مستبشرة بحلاوة تذكاره.
فحياهم منه بقدر ذلك التصديق ، وحباهم من لدنه حباء البر الشفيق.
فما أصغر عندهم كل ما شغل عن جلاله ، وما أتركهم لكل ما باعد من وصاله ، حتى أنهم ليتمتعون بأنس ذلك الكرم والكمال ، ويكسوهم أبداً حلل المهابة والجلال.
فإذا عرفوا أن حياتهم مانعة عن (8) متابعة مرامه ، وبقاءهم حائل بينهم وبين إكرامه ، خلعوا أثواب البقاء ، وقرعوا أبواب اللقاء ، وتلذذوا في طلب ذلك النجاح ، ببذل النفوس والأرواح ، وعرضوها لخطر السيوف والرماح.
وإلى ذلك التشريف الموصوف سمت نفوس أهل الطفوف ، حتى تنافسوا في التقدم إلى الحتوف ، وأصبحوا (9) نهب الرماح والسيوف.
فما أحقهم بوصف السيد المرتضى علم الهدى (10) رضوان الله عليه ، وقد مدح
____________
(6) ر : وأريحتهم.
والأريحي : الواسع الخلق النشيط إلى المعروف ، وهو أيضاً : السخي الذي يرتاح للندى ، وراح لذلك الأمر رواحاً وأريحية ورياحةً : أشرق له وفرح به وأخذته له خفة وأريحية ، لسان العرب 5|359 روح.
(7) ر : اسماع.
(8) ر : من.
(9) ع : وأضحوا.
(10) أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الإمام الكاظم عليه السلام ، نقيب الطالبيين ، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر ، مولده ووفاته ببغداد ، روى عن جماعة كالشيخ

=


( 83 )

من أشرنا إليه فقال :
لهم جســوم (11) على الرمضاء مهملة * وأنـــفس في جوار الله يقريها
كـــأن قـــاصدها بالضر نافعها * وأن (12) قــاتلها بالسيف محييها

ولولا امتثال أمر السنة والكتاب ، في لبس شعار الجزع والمصاب ، لأجل ما طمس من أعلام الهداية ، وأسس من أركان الغواية (13) ، وتأسفاً على ما فاتنا من تلك السعادة ، وتلهفاً على أمثال تلك الشهادة ، وإلا كنا قد لبسنا لتلك النعمة الكبرى أثواب المسرة والبشرى.
وحيث أن في الجزع رضىً لسلطان المعاد ، وغرضاً لأبرار العباد ، فها نحن قد لبسنا سربال الجزوع ، وآنسنا بإرسال الدموع ، وقلنا للعيون : جودي بتواتر البكاء ، وللقلوب : جدي جد ثواكل النساء.
فإن ودائع الرسول الرؤوف أضيعت (14) يوم الطفوف ، ورسوم وصيته بحرمه وأبنائه طمست بأيدي أمته وأعدائه.
فيالله من تلك الفوادح المقرحة للقلوب ، والجوائح المصرحة (15) بالكروب ،
____________
=
المفيد والحسين بن علي بن بابويه ، وروى عنه جماعة كسلًار وأبي الصلاح الحلبي والخطيب البغدادي والقاضي ابن قدامة ، له عدة كتب ، منها : الشافي في الإمامة ، توفي سنة 433 هـ وقيل : 436 هـ.
رياض العلماء 4|14 ، وفيات الأعيان 3|313 ، الكنى والألقاب 2|439 ، ميزان الإعتدال 2|223 ، لسان الميزان 4|223 ، جمهرة الأنساب : 56 ، الأعلام 4|278.
(11) ع : نفوس ، بدلاً من : لهم جسوم.
(12) ر : أو أن.
(13) ر : الغراية.
(14) ع : أبيحت.
(15) ع : والجرائح المصرخة.

( 84 )

والمصائب المصغرة كل بلوى ، والنوائب المفرقة شمل التقوى ، والسهام التي أراقت دم الرسالة ، والأيدي التي ساقت سبي الجلالة ، والرزية التي نكست رؤوس الأبدال ، والبلية التي سلبت نفوس خير الآل ، والشماتة التي ركست (16) أسود الرجال (17) ، والفجيعة (18) التي بلغ رزؤها إلى جبرائيل ، والفظيعة التي عظمت على الرب الجليل.
وكيف لا يكون كذلك وقد أصبح لحم رسول الله مجرداً على الرمال ، ودمه الشريف مسفوكاً بسيوف الضلال ، ووجوه بناته مبذولة لعين السائق والشامت ، ومسلبهن بمنظر من الناطق والصامت ، وتلك الأبدان المعظمة عارية من الثياب ، والأجساد المكرمة جاثية على التراب ؟!!
مصائب بددت شمل النبي ففي * قلب الهدى أسهم يطفن (19) بالتلف
ونــاعيات إذا ما مل ذو وله * ســـرت عليه بنار الزن والأسف

فياليت لفاطمة وأبيها عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها : ما بين مسلوب ، وجريح ، ومسحوب ، وذبيح ، وبنات النبوة : مشققات الجيوب ، ومفجوعات بفقد المحبوب ، وناشرات للشعور ، وبارزات من الخدور ، ولاطمات للخدود ، وعادمات للجدود ، ومبديات للنياحة والعويل ، وفاقدات للمحامي والكفيل.
فيا أهل البصائر من الأنام ، ويا ذوي النواظر والأفهام ، حدثوا نفوسكم
____________
=
والجوائح جمع جائحة ، وهي : الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال ، وتستعمل مجازاً لكل شدة.
(16) الركس : قلب الشيء ورده مقلوباً.
(17) من قوله : والشماتة ، إلى هنا ، لم يرد في ر.
(18) ر : والنجيعة.
(19) ر : ينطق.

( 85 )

بمصائب هاتيك العترة ، ونوحوا بالله لتلك الوحدة والكثرة ، وساعدوهم بموالاة الوجد والعبرة ، وتأسفوا على فوات تلك النصرة.
فإن نفوس أولئك الأقوام ودائع سلطان الأنام ، وثمرة فؤاد الرسول ، وقرة عين الزهراء البتول ، ومن كان يرشف بفمه الشريف ثناياهم ، ويفضل على أمته أمهم وأباهم.
إن كنت في شــك فسل عن حالهم * سنـــن الرسول ومحكم التنزيل
فهنــاك أعدل شاهدٍ لذوي الحـجى * وبيان فضلهـم على التفصيل (20)
ووصيـــةٌ سبقت لأحمـــد فيهم * جــاءت إليـه على يدي جبريل

وكيف طابت النفوس (21) مع تداني الأزمان بمقابلة إحسان جدهم (22) بالكفران ، وتكدير عيشه بتعذيب ثمرة فؤاده ، وتصغير قدره بإراقة دماء أولاده ؟!
وأين موضع القبول لوصاياه بعترته وآله ؟ وما الجواب عند لقائه وسؤاله ؟ وقد هدم القوم ما بناه ! ونادى الاسلام واكرباه !
فيالله من قلبٍ لا يتصدع لتذكار تلك الأمور ! ويا عجباه من غفلة أهل الدهور ! وما عذر أهل الاسلام والإيمان في إضاعة أقسام الاحزان !
ألم يعلموا أن محمدأً موتورٌ وجيع ؟ وحبيبه مقهورٌ صريعٌ ؟ والملائكة يعزونه على جليل مصابه ؟ والأنبياء يشاركونه في أحزانه وأوصابه ؟
فيا أهل الوفاء لخاتم الأنبياء ، علام لا تواسونه في البكاء ؟!
____________
(20) ع : الفصيل.
(21) ع : فكيف طابت للنفوس.
(22) ع : مقابلة احسان أبيهم.

( 86 )

* بالله عليك أيها المحب لولد الزهراء ، نح معها على المنبوذين بالعراء ، وجد ويحك بالدموع السجام ، وابك على ملوك الاسلام ، لعلك تحوز ثواب المواسي لهم في المصاب ، وتفوز بالسعادة يوم الحساب.
فقد روي عن مولانا الباقر عليه السلام أنه قال : « كان زين العابدين عليه السلام يقول : أيما مؤمن ذرفت (23) عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً (24) ، وأيما مؤمن ذرفت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوأه الله منزل صدقٍ ، وأيما مؤمن مسه أذىً فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه من سخط النار يوم القيامة ».
وروى عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال : « من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذبابة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ».
وروي أيضاً عن آل الرسول عليهم السلام أنهم قالوا : « من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة (25) ، ومن بكى وأبكى خمسين فله الجنة ، ومن بكى وأبكى ثلاثين فله الجنة ، ومن بكى وأبكى عشرين فله الجنة (26) ، ومن بكى وأبكى عشرة فله الجنة ، ومن بكى وأبكى واحداً فله الجنة ، ومن تباكى فله الجنة ».
قال علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسيني ـ جامع هذا الكتاب ـ : إن من أجل البواعث لنا على سلوك هذا الكتاب (27) أنني (28) لما
____________
(23) أي : صبت دمعاً وسالت.
(24) جمع حقب بضمتين أي : زماناً كثيراً ، أحقاباً لا انقطاع لها ، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر.
(25) ع : فينا مائة ضمنا له على الله الجنة ، والمثبت من ر . ب.
(26) قوله : ومن بكى وأبكى عشرين فله الجنة ، لم يرد في ع . ر ، وأثبتناه من ب.
(27) ر : الباب.
(28) ر : أني.

( 87 )
جمعت كتاب : مصباح الزائر وجناح المسافر (29) ، ورأيته قد احتوى على أقطار محاسن الزيارات ومختار أعمال تلك الأوقات ، فحامله مستغنٍ عن نقل مصباح لذلك الوقت الشريف ، أو حمل مزارٍ كبير أو لطيفٍ.
أحببت أيضاً أن يكون حامله مستغنياً عن نقل مقتلٍ في زيارة عاشوراء إلى مشهد (30) الحسين صلوات الله عليه.
فوضعت هذا الكتاب ليضم إليه ، وقد جمعت ها هنا ما يصلح لضيق وقت الزوار ، وعدلت عن الإطناب والإكثار ، وفيه غنية لفتح أبواب الأشجان ، وبغية لنجح أرباب الإيمان ، فإننا (31) وضعنا في أجساد معناه روح ما يليق بمعناه.
وقد ترجمته بكتاب : الملهوف على قتلى الطفوف (32) ، ووضعته على ثلاثة مسالك ، مستعيناً بالرؤوف المالك (33).
____________
(29) هو أول تصانيفه ، في عشرين فصلاً ، أوله في مقدمات السفر وآدابه ، والأخير في زيارة أولاد الأئمة والمؤمنين ، ونسخه شائعة.
(30) ر : زيارة مشهد.
(31) ر : فإنا.
(32) ع : اللهوف على قتلى الطفوف.
(33) قوله : مستعيناً بالرؤوف المالك ، لم يرد في ر.

( 88 )


( 89 )

المسلك الأول
فى الأمور المتقدمة على القتال (1)


____________
(1) ر : المسلك الأول على سبيل الإجمال في الأمور المتقدمة على القتال.
( 91 )

* كان مولد الحسين عليه السلام لخمس ليالٍ خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة.
وقيل : اليوم (2) الثالث منه.
وقيل : في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة.
وروي غير ذلك.
قالت (3) أم الفضل (4) زوجة العباس (5) رضوان الله عنهما : رأيت في منامي
____________
(2) ر : يوم.
(3) جاء في نسخة ع :
ولما ولد هبط جبرئيل عليه السلام ومعه ألف ملك يهنون النبي صلى الله عليه وآله بولادته ، وجاءت به فاطمة عليها السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فسر به وسماه حسيناً.
قال ابن عباس في الطبقات : أنبأنا عبدالله بن بكر بن حبيب السهمي ، قال : أنبأنا حاتم بن صنعة ، قالت ...
(4) لبابة بنت الحارث الهلالية ، الشهيرة بأم الفضل ، زوجة العباس بن عبد المطلب ، ولدت من العباس سبعة ، أسلمت بمكة بعد إسلام خديجة ، وكان رسول الله (ص) يزورها ويقيل في بيتها ، توفيت نحو سنة 30 هـ.
الإصابة ترجمة رقم 942 و1448 ، ذيل المذيل : 84 ، الجمع بين رجال الصحيحين : 612 ، الأعلام 5|239.
(5) العباس عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أبو الفضل ، من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام ، كان محسناً لقومه سديد الرأي ، كانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه ، عمي في آخر عمره ، توفي بالمدينة سنة 32 هـ.
صفة الصفوة 1|203 ، المحبر : 63 ، ذيل المذيل : 10 ، الأعلام 3|262.

( 92 )

* قبل مولده كأن قطعةً من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله قطعت فوضعت (6) في حجري ، فعبرت (7) ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال « خيراً رأيت (8) ، إن صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاماً فأدفعه إليك لترضعيه ».
قالت : فجرى الأمر على ذلك.
فجئت به يوماً ، فوضعته في حجره ، فبال (9) ، فقطرت من بوله قطرةٌ على ثوب النبي صلى الله عليه وآله ، فقرصته ، فبكى ، فقال النبي صلى الله عليه وآله (10) : « مهلاً يا أم الفضل ، فهذا ثوبي يغسل ، وقد أوجعت ابني ».
قالت : فتركته في حجره ، وقمت لآتيه بماء ، فجئت ، فوجدته صلوات الله عليه وآله يبكي.
فقلت : مم بكاؤك يا رسول الله ؟
فقال : « إن جبرئيل عليه السلام أتاني ، فأخبرني أن أمتي تقتل ولدي هذا ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة (11) ».
قال رواة الحديث : فلما أتت على الحسين عليه السلام من مولده سنة كاملة ، هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر ملكاً : أحدهم على صورة الأسد ، والثاني على صورة الثور ، والثالث على صورة التنين (12) ، والرابع على صورة ولد آدم ،
____________
(6) لفظ : فوضعت ، لم يرد في ر.
(7) ع : ففسرت.
(8) ع : يا أم الفضل رأيت خيراً.
(9) ع : فجئت به يوماً إليه فوضعته في حجره فبينما هو يقبله فبال.
(10) ع : كالمغضب.
(11) قوله : لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ، لم يرد في ر.
(12) التنين : ضربٌ من الحيات من أعظمها.

( 93 )

والثمانية الباقون على صور شتى ، محمرة وجوههم باكية عيونهم (13) ، قد نشروا أجنحتهم ، وهم يقولون : يا محمد سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل.
ولم يبق في السموات ملك (14) إلا ونزل إلى النبي صلى الله عليه وآله ، كلٌ يقرؤه السلام ، ويعزيه في الحسين عليه السلام ، ويخبره بثواب ما يعطى ، ويعرض عليه تربته ، والنبي صلى الله عليه وآله يقول : « اللهم اخذل من خذله ، واقتل من قتله ، ولا تمتعه بما طلبه ».
قال : فلما أتى على الحسين عليه السلام سنتان من مولده خرج النبي صلى الله عليه وآله في سفرٍ له (15) ، فوقف في بعض الطريق ، فاسترجع ودمعت عيناه.
فسئل عن ذلك ، فقال : « هذا جبرئيل يخبرني عن أرضٍ بشط الفرات يقال لها كربلاء (16) ، يقتل بها ولدي الحسين بن فاطمة ».
فقيل له : من يقتله يا رسول الله ؟
فقال : « رجل اسمه يزيد ، وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه ».
ثم رجع من سفره ذلك مغموماً ، فصعد المنبر فخطب (17) ووعظ ، والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه.
فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس
____________
(13) باكية عيونهم ، لم يرد في ر.
(14) ع : ملك مقرب.
(15) له ، لم يرد في ر.
(16) كربلاء بالمد : الموضع الذي قتل فيه الحسين عليه السلام ، في طرف البرية عند الكوفة.
روي : أنه عليه السلام اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرية بستين ألف درهم ، وتصدق بها عليهم ، وشرط عليهم أن يرشدوا إلى قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام.
معجم البلدان 4|249 ، مجمع البحرين 5|641 ـ 642.
(17) فخطب ، لم يرد في ر.

( 94 )

الحسين ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللهم إن محمداً عبدك ورسولك ، وهذان أطائب عترتي وخيار ذريتي وأرومتي (18) ومن أخلفهما في أمتي ، وقد أخبرني جبرئيل عليه السلام أن ولدي هذا مقتول مخذول ، اللهم فبارك له في قتله واجعله من سادات الشهداء ، اللهم ولا تبارك (19) في قاتله وخاذله ».
قال : فضج الناس في المسجد بالبكاء والنحيب (20).
فقال النبي صلى الله عليه وآله : « أتبكون ولا تنصرونه ».
ثم رجع صلوات الله عليه وهو متغير اللون محمر الوجه ، فخطب خطبةً أخرى موجزة وعيناه تهملان دموعاً ، قال :
« أيها الناس إني قد خلفت فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي وأرومتي (21) ومزاج مائي وثمرتي ، وأنهما لن (22) يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ألا وأني أنتظرهما ، وأني لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم (23) المودة في القربى ، وفانظروا ألا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم وقتلتموهم.
ألا وإنه سترد علي يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة :
راية (24) سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة ، فتقف علي ، فأقول : من أنتم ؟
____________
(18) الأرومة : الأصل.
(19) ر : اللهم لا تبارك.
(20) والنحيب ، لم يرد في ر.
(21) ر : وعترتي وأرومتي.
(22) ع : وثمرة فؤادي ومهجتي لن.
(23) ع : إلا ما أمرني ربي أمرني ربي أن اسألكم.
(24) ع : الأولى.

( 95 )

فينسون ذكري ويقولون : نحن أهل التوحيد من العرب.
فأقول لهم (25) : أنا أحمد نبي العرب والعجم.
فيقولون : نحن من أمتك يا أحمد.
فأقول لهم : كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربي ؟
فيقولون : أما الكتاب فضيعناه ، وأما عترتك فحرصنا على أن نبيدهم عن جديد الأرض (26).
فأولي وجهي عنهم ، فيصدرون ظماءً عطاشاَ مسودة وجوههم.
ثم ترد علي رايةٌ أخرى أشد سواداً من الأولى ، فأقول لهم : كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر : كتاب ربي (27) ، وعترتي ؟
فيقولون : أما الأكبر فخالفنا ، وأما الأصغر فخذلناهم ومزقناهم كل ممزق.
فأقول : إليكم عني ، فيصدرون ظماءً عطاشاً مسودة وجوههم.
ثم ترد علي راية أخرى تلمع نوراً (28) ، فأقول لهم : من أنتم ؟
فيقولون : نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى ، نحن أمة محمد صلى الله عليه وآله ، ونحن بقية أهل الحق ، حملنا كتاب ربنا فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه ، وأحببنا ذرية نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، فنصرناهم في كل ما نصرنا منه أنفسنا ، وقاتلنا معهم من ناواهم.
فأقول لهم : أبشروا فأنا نبيكم محمد ، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ، ثم أسقيهم من حوضي ، فيصدرون مرويين مستبشرين ، ثم يدخلون الجنة
____________
(25) لهم ، لم يرد في ر.
(26) ع : عن آخرهم عن جديد الأرض.
(27) ر : كتاب الله.
(28) ع : تلمع وجوçهم نوراً.

( 96 )

خالدين فيها أبد الآبدين » (29).
قال : وكان الناس يتعاودون ذكر قتل الحسين عليه السلام ، ويستعظمونه ويرتقبون قدومه.
* فلما توفي معاوية بن أبي سفيان (30) ـ وذلك في رجب سنة (31) ستين من الهجرة ـ كتب يزيد بن معاوية (32) إلى الوليد بن عتبة (33) وكان أميراً بالمدينة
____________
(29) من قوله : مستبشرين ، إلى هنا لم يرد في ر.
(30) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، مؤسس الدولة الأموية في الشام ، ولد بمكة وأسلم يوم فتحها ، ولي قيادة جيش تحت إمرة أخيه في خلافة أبي بكر ، وصار والياً على الأردن في خلافة عمر ، ثم ولاه دمشق ، وجاء عثمان فجمع له الديار الشامية كلها وجعل ولاة أمصارها تابعين له ، وبعد قتل عثمان وولاية علي عليه السلام وجه له لفوره بعزله ن وعلم معاوية قبل وصول البريد ، فنادى بثأر عثمان واتهم علياً بدمه ونشبت الحروب الطاحنة واستعمل معاوية الخديعة والمكر ، مات معاوية في دمشق سنة 60 هـ ، وعهد بالخلافة إلى ابنه يزيد.
تاريخ ابن الأثير 4|2 ، تاريخ الطبري 6|180 ، البدء والتاريخ 6|5 ، الأعلام 7|261 ـ 262.
(31) ر : من سنة.
(32) يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان الأموي ، ثاني ملوك الدولة الأموية في الشام ، ولد بالماطرون ونشأ في دمشق وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 60 هـ ، ولم يبايعه جماعة وعلى رأسهم الحسين عليه السلام لفسقه وفجوره ولهوه ولعبه ، خلع أهل المدينة طاعته سنة 63 هـ ، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة وأمره أن يستبيحها ثلاثة أيام وأن يبايع أهلها على أنهم عبيد ليزيد ، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة ، وقتل فيها كثيراً من الصحابة والتابعين ، مات يزيد سنة 64 هـ.
تاريخ الطبري حوادث سنة 64 ، تاريخ الخميس 2|300 ، تاريخ ابن الأثير 4|49 ، جمهرة الأنساب : 103 ، الأعلام 8|189.
(33) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ابن حرب الأموي ، أمير من رجالات بني أمية ، ولي المدينة سنة 57 هـ أيام معاوية ، ومات معاوية فكتب إليه يزيد أن يأخذ له البيعة ، عزله يزيد سنة 60 هـ واستقدمه إليه ، فكان من رجال مشورته بدمشق ، ثم أعاده سنة 61 هـ وثورة عبدالله بن الزبير في

=


( 97 )

يأمره (34) بأخذ البيعة له على أهلها (35) وخاصةً على الحسين بن علي عليهما السلام (36) ، ويقول له : إن أبى عليك فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
* فأحضر الوليد مروان بن الحكم (37) واستشاره في أمر الحسين عليه السلام.
فقال : إنه لا يقبل ، ولو كنت مكانك لضربت (38) عنقه.
فقال الوليد : ليتني لم أك شيئاً مذكوراً.
ثم بعث إلى الحسين عليه السلام ، فجاءه في ثلاثين رجلاً من أهل بيته ومواليه ، فنعى الوليد إليه معاوية ، وعرض عليه البيعة ليزيد.
فقال : « أيها الأمير ، إن البيعة لا تكون سراً ، ولكن إذا دعوت الناس
____________
=
إبانها بمكة ، وظل في المدينة إلى أن توفي بالطاعون سنة 64 هـ ، حج بالناس سنة 62 هـ.
مرآة الجنان 1|140 ، نسب قريش : 133 و433 ، الأعلام 8|121.
(34) ع : أمير المدينة يأمره ، ب : كتب يزيد إلى الوليد يأمره.
والمدينة : مدينة رسول الله ، وهي يثرب ، مساحتها نصف مكة ، وهي في حرة سبخة الأرض ، ولها نخيل كثيرة ومياه ، والمسجد في نحو وسطها ، وقبر النبي في شرقي المسجد ، وللمدينة اسماء كثيرة ، منها : طيبة ويثرب والمباركة.
معجم البلدان 5|82.
(35) ع : على أهلها عامة ، ولفظ عامة لم يرد في ر . ب.
(36) ع . ب : عن الحسين عليه السلام.
(37) ابن الحكم ، لم يرد في ع . ب.
ومروان هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف ، أبو عبد الملك ، خليفة أموي ، أول من ملك من بني الحكم بن أبي العاص ، إليه ينسب بنو مروان ، ودولتهم المروانية ، ولد بمكة ونشأ بالطائف وسكن المدينة ، جعله عثمان من خاصته واتخذه كاتباً له ، وبعد قتل عثمان خرج مروان مع عائشة إلى البصرة ، وشهد صفين مع معاوية ، ولي المدينة سنة في ولاية معاوية ، أخرجه منها عبدالله بن الزبير فسكن الشام ومات سنة 65 بالطاعون ، وقيل : قتلته زوجته أم خالد.
أسد الغابة 4|348 ، تاريخ ابن الأثير 4|74 ، تاريخ الطبري 7|34 ، الأعلام 7|207.
(38) ب : ضربت.

( 98 )

غداً فادعنا معهم ».
* فقال مروان : لا تقبل أيها الأمير عذره ، ومتى لم يبايع فاضرب عنقه.
فغضب الحسين عليه السلام ثم قال : « ويلي عليك يابن الزرقاء ، أنت تأمر بضرب عنقي ، كذبت والله ولؤمت (39) ».
ثم أقبل على الوليد فقال : « أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله وبنا ختم الله (40) ، ويزيد رجلٌ فاسق شارب الخمر (41) قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ليس له هذه المنزلة (42) ، ومثلي لا يبايع مثله (43) ، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة ».
ثم خرج عليه السلام ، فقال مروان للوليد : عصيتني.
فقال : ويحك يا مروان ، إنك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي ، والله ما أحب أن ملك الدنيا بأسرها لي وأنني قتلت حسيناً ، والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان ، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذابٌ أليمً.
قال : وأصبح الحسين عليه السلام ، فخرج (44) من منزله يستمع الأخبار ، فلقاه مروان ، فقال : يا أبا عبدالله ، إني لك ناصحٌ فأطعني ترشد.
____________
(39) ب : وأثمت.
(40) ر : وبنا فتح الله وبنا يختم.
(41) ر : خمر.
(42) قوله : ليس له هذه المنزلة ، لم يرد في ع . ب.
(43) ع : بمثله ، ر : لمثله ، والمثبت من ب.
(44) ب : فلما أصبح الحسين عليه السلام خرج.

( 99 )

فقال الحسين عليه السلام : « وما ذاك ، قل حتى أسمع ».
فقال مروان : إني آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين ، فإنه خيرٌ لك في دينك ودنياك.
فقال الحسين عليه السلام : « إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الإسلام السلام ، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد ، ولقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : الخلافة محرمة على آل أبي سفيان ».
وطال الحديث بينه وبين مروان حتى انصرف مروان (45) وهو غضبان (46).
____________
(45) مروان ، لم يرد في ر.
(46) جاء بعد هذا الموضع في نسخة ع كلام طويل لم يرد في نسخة ر . ب ، ويمكن أن يكون من حاشية المؤلف على الكتاب ، وعلى أي حال فنحن ننقل الكلام بنصه كما في نسخه ع :
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس مؤلف هذا الكتاب : والذي تحققناه أن الحسين عليه السلام كان عالماً بما انتهت حاله إليه ، وكان تكليفه ما اعتمد عليه.
أخبرني جماعة ـ وقد ذكرت أسماءهم في كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى ـ بإسنادهم إلى أبي جعفر محمد بن بابوية القمي فيما ذكر في أماليه ، باسناده إلى المفضل بن عمر ، عن الصادق عليه السلام ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام :
أن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام دخل يوماً على الحسن عليه السلام ، فلما نظر إليه بكى ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لما يصنع بك ، فقال الحسن عليه السلام : إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فأقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله ، يزدلف إليك ثلاثون الف رجلٍ يدعون أنهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه وآله ، وينتحلون الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك ، فعندها يحل الله ببني أمية اللعنة وتمطر السماء دماً ورماداً ، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش والحيتان في البحار.
وحدثني جماعة منهم من اشرت إليه ، بإسنادهم إلى عمر النسابة رضوان الله عليه فيما ذكره في آخر كتاب الشافي في النسب ، بإسناده إلى جده محمد ابن عمر قال : سمعت أبي عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام يحدث أخوالي آل عقيل قال :

=


( 100 )

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
____________

لما امتنع أخي الحسين عليه السلام عن البيعة ليزيد بالمدينة ، دخلت عليه فوجدته خالياً ، فقلت له : جعلت فداك يا أبا عبدالله حدثني أخوك أبو محمد الحسن ، عن أبيه عليهم السلام ، ثم سبقتني الدمعة وعلا شهيقي ، فضمني إليه وقال : حدثك أني مقتول ؟ فقلت : حوشيت يابن رسول الله ، فقال : سألتك بحق أبيك بقتلي خبرك ؟ فقلت : نعم ، فلولا ناولت وبايعت.
فقال : حدثني أبي : ان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بقتله وقتلي ، وأن تربتي تكون بقرب تربته ، فتظن أنك علمت مالم أعلمه ، وإنه لا أعطي الدنية من نفسي أبداً ، ولتلقين فاطمة أباها شاكية مالقيت ذريتها من أمته ، ولا يدخل الجنة أحدٌ آذاها في ذريتها.
أقول أنا : ولعل بعض من لا يعرف حقائق شرف السعادة بالشهادة يعتقد أن الله لا يتعبد بمثل هذه الحالة ، أما سمع في القرآن الصادق المقال أنه تعبد قوماً بقتل أنفسهم ، فقال تعالى : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلك خيرٌ لكم عند بارئكم ).
ولعله يعتقد أن معنى قوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) أنه هو القتل ، وليس الأمر كذلك ، وإنما التعبد به من أبلغ درجات السعادة.
ولقد ذكر صاحب المقتل المروي عن مولانا الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية ما يليق بالعقل :
فروى عن أسلم قال : عزونا نهاوند ـ وقال غيرها ـ واصطفينا والعدو صفين لم أر أطول منهما ولا أعرض ، والروم قد ألصقوا ظهورهم بحائط مدينتهم ، فحمل رجلٌ منا على العدو ، فقال الناس : لا إله إلا الله ألقى نفسه إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب الأنصاري : إنما تؤولون هذه الآية على أن حمل هذا الرجل يلتمس الشهادة ، وليس كذلك ، إنما نزلت هذه الآية فينا ، لأنا كنا قد اشتغلنا بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتركنا أهالينا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلح ما فسد منها ، فقد ضاعت بتشاغلنا عنها ، فأنزل الله إنكالٌ لما وقع في نفوسنا من التخلف عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله لإصلاح أموالنا : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ، معناه : إن تخلفتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأقمتم في بيوتكم ألقيتم بأيدكم إلى التهلكة وسخط الله عليكم فهلكتم ، وذلك رد علينا فيما قلنا وعزمنا عليه من الإقامة ، وتحريضٌ لنا على الغزو ، وما أنزلت هذه الآية في رجلٍ حمل العدو ويحرض أصحابه أن يفعلوا كفعله أو يطلب الشهادة بالجهاد في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة.
أقول : وقد نبهناك على ذلك في خطبة هذا الكتاب ، وسيأتي ما يكشف عن هذه الأسباب.
قال رواة حديث الحسين عليه السلام مع الوليد بن عتبة ومروان : ...