*
فلما كان الغداة توجه الحسين عليه السلام إلى مكة (47) لثلاث مضين من شعبان سنة ستين.
فأقام بها باقي شعبان وشهر رمضان وشوال وذي القعدة.
*
قال (48) : وجاءه عبدالله بن العباس رضي الله عنه (49) وعبدالله بن الزبير (50) ، فأشارا عليه بالإمساك.
فقال لهما : « إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمرني بأمرٍ ، وأنا ماضٍ فيه ».
قال : فخرج ابن عباس وهو يقول : واحسيناه !
والمك : النقض والهلاك ، وسمي البلد الحرام مكة لأنها تنقض الذنوب وتنفيها ، أو تمك من قصدها بالظلم ، أي تهلكه.
معجم البلدان 5|181 ـ 188 ، مجمع البحرين 5|289.
الإصابة ترجمة رقم 4772 ، صفة الصفوة 1|314 ، حلية الأولياء 1|314 ، نسب قريش : 26 ، المحبر : 98 ، الأعلام 4|95.
تاريخ ابن الأثير 4|135 ، تاريخ الطبري 7|202 ، فوات الوفيات 1|210 ، تاريخ الخميس 2|301 ، الأعلام 4|87.
*
ثم جاءه عبدالله بن عمر (51) ، فأشار عليه (52) بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال.
فقال له : « يا أبا عبدالرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل ، أما علمت (53) أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً ، فلم يعجل الله عليهم ، بل امهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر (54) ، إتق الله (55) يا أبا عبدالرحمن ولا تدعن نصرتي ».
قال : وسمع أهل الكوفة (56) بوصول الحسين عليه السلام إلى مكة وامتناعه من البيعة ليزيد ، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي (57) ، فلما تكاملوا قام فيهم
الإصابة ترجمة رقم 4825 ، طبقات ابن سعد 4|105 ـ 138 ، تهذيب الأسماء 1|278 ، الأعلام 4|108.
معجم البلدان 4|322.
الإصابة ترجمة رقم 3450 ، تاريخ الاسلام 3|17 ، الأعلام 3|127.
يا معشر الشيعة ، إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك وصار إلى ربه وقدم على عمله ، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد ، وهذا الحسين بن علي عليهما السلام قد خالفه وصار إلى مكة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله ، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه.
قال : فكتبوا إليه :
إلى الحسين بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام ، من سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة (58) ورفاعة بن شداد (59) وحبيب بن مظاهر (60) وعبدالله بن
وهو المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح الفزاري ، تابعي ، كان رأس قومه ، شهد القادسية وفتوح العراق ، كان مع علي عليه السلام في مشاهده ، سكن الكوفة ، ثار مع التوابين في طلب دم الحسين عليه السلام ، استشهد مع سليمان بن الصرد بالعراق سنة 65 هـ ، وكان شجاعاً بطلاً متعبداً ناسكاً.
الكامل في التاريخ 4|68 ـ 71 ، الإصابة ترجمة رقم 8424 ، الأعلام 7|225 ـ 226.
الكامل في التاريخ حوادث سنة 66 هـ ، الأعلام 3|29.=
سلام الله عليك ، أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبل ، الجبار العنيد الغشوم الظلموم الذي ابتز (62) هذه الأمة أمرها ، وغصبها فيأها ، وتأمر عليها بغير رضىً منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها ، فبعداً له كما بعدت ثمود.
ثم أنه ليس علينا إمامٌ غيرك ، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق ، والنعمان ابن بشير (63) في قصر الامارة ، ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنك قد أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام (64) ،
تاريخ الطبري 5|325ـ440 ، رجال الشيخ : 72 ، تسمية من قتل مع الحسين : 152 ، لسان الميزان 2|173 ، الكامل في التاريخ حوادث سنة 61 هـ ، الأعلام 2|166 ، أنصار الحسين : 81 ـ 82.
والظاهر أن الصحيح اسمه : عبدالله بن وال التميمي ، كما جاء اسمه في أصحاب أمير المؤمنين في رجال الشيخ : 55 ، وجاء اسمه بعد اسم قنبر مندمجاً معه ، وهو اشتباه ، وفي مخطوطة رجال الشيخ جاء اسمه قبل اسم قنبر بعدة أسماء ، وورد اسمه في شرح النهج 3|132 ، وعدة أماكن أخرى.
جمهرة الأنساب : 345 ، أسد الغابة 5|22 ، الإصابة ترجمة رقم 8730 ، الأعلام 8|36.=
ثم سرحوا الكتاب ، ولبثوا يومين آخرين وأنفذوا جماعة معهم نحو ماءة وخمسين صحيفة من الرجل والإثنين والثلاثة والأربعة (65) ، يسألونه القدوم عليهم.
وهو مع ذلك يتأنى فلا يجيبهم.
فورد عليه في يوم واحدٍ ستمائة كتاب ، وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده منها في نوب (66) متفرقة إثنى عشر ألف كتاب.
ثم قدم عليه هاني بن هاني السبيعي (67) وسعيد بن عبدالله الحنفي (68) بهذا
معجم البلدان 3|311 ـ 315.
تهذيب التهذيب 11|22 ـ 23.
ولم ينعته كل من ترجمه بالسبيعي ، والسبيعي بطن من بطون همدان.
ذكر في أكثر المصادر وفي الزيارة باسم سعد ، وهو من بني حنيفة بن لجيم من بكر بن وائل ، وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين إلى الحسين عليه السلام ، من أعظم الثوار تحمساً.
تاريخ الطبري 5|419 و353 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1|195 و2|20 ، المناقب 4|103 ، البحار 45|21 و26 و70 ، تسمية من قتل مع الحسين : 154 ، أنصار الحسين : 90 ـ 91.
إلى الحسين بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام.
من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام.
أما بعد ، فان الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل يابن رسول الله ، فقد أخضر الجناب (69) ، وأينعت الثمار ، وأعشبت الأرض ، وأورقت الأشجار ، فاقدم علينا إذا شئت ، فإنما تقدم على جندٍ مجندة لك ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك.
فقال الحسين عليه السلام لهاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي : « خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي ورد علي معكما ؟ ».
فقالا : يابن رسول الله شبث بن ربعي (70) ، وحجار بن أبجر (71) ، ويزيد بن
والجناب : الفناء ، وما قرب من محلة القوم.
شبث بن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدوس ، شيخ مضر وأهل الكوفة في أيامه ، أدرك عصر النبوة ، ولحق بسجاح المتنبئة ، ثم عاد إلى الاسلام ، ثار على عثمان ، قاتل الحسين عليه السلام بعد أن كتب إليه يدعوه إلى المجيء ، مات بالكوفة نحو سنة 70 هـ.
وقيل : إنه لما قبض على شبث قال له إبراهيم : أصدقني ما عملت يوم الطف ؟ قال : ضربت وجهه الشريف بالسيف !! فقال له : ويلك يا ملعون ما خفت من الله تعالى ولا من جده رسول الله ، ثم جعل يشرح أفخاذه حتى مات.
الإصابة ترجمة رقم 3950 ، تهذيب التهذيب 4|303 ، ميزان الاعتدال 1|440 ، الأعلام 3|154.=
قال (77) : فعندها قام الحسين عليه السلام ، فصلى (78) ركعتين بين الركن والمقام ، وسأل الله الخيرة في ذلك.
*
( ثم دعا بمسلم بن عقيل (79) وأطلعه على الحال ، وكتب معه جواب كتبهم
الرجال في تاج العروس 2|25.
وفي بعض المصادر : يزيد بن رويم الشيباني ، وهذه النسبة إلى جده ، والمصادر متفقة على أنه يزيد بن الحارث بن رويم.
الكامل 4|111 ، الإصابة ترجمة رقم 9398 ، تهذيب التهذيب 8|163 ، جمهرة الأنساب : 305 ، الأعلام 8|180 ـ 181.
وفي إرشاد المفيد : 38 : عمرو بن الحجاج الزبيدي.
المحبر : 154 و338 و339 ، لسان الميزان 5|330 ، الأعلام 6|319.
ومسلم هو ابن عقيل بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم ، تابعي من ذوي الرأي والعلم=
فسار مسلم بالكتاب حتى دخل إلى الكوفة ، فلما وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بإتيانه إليهم ، ثم أنزلوه في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي (81) ، وصارت الشيعة تختلف إليه.
فلما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون (82) ، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً.
مقاتل الطالبيين : 80 ، الطبقات الكبرى 4|29 ، تسمية من قتل مع الحسين : 151 ، الكامل في التاريخ 4|8 ـ 15 ، الأخبار الطوال : 233 ، تاريخ الكوفة : 59 ، الأعلام 7|222 ، أنصار الحسين : 124 ، ضياء العينين : 13 ـ 29.
والمختار هو أبن أبي عبيدة ابن مسعود الثقفي أبو إسحاق ، من زعماء الثائرين على بني أمية ، من أهل الطائف ، انتقل إلى المدينة مع أبيه ، وبقي المختار في المدينة منقطعاً إلى بني هاشم ، تزوج عبدالله ابن عمر بن الخطاب أخت المختار صفية ، وكان المختار مع علي عليه السلام بالعراق ، وسكن البصرة بعد علي عليه السلام ، قبض عليه عبيدالله بن زياد في البصرة وحبسه ونفاه بشفاعة ابن عمر إلى الطائف ، ذهب إلى الكوفة بعد موت يزيد لأخذ الثأر من قتلة الحسين ، واستولى على الكوفة والموصل وتتبع قتلة الحسين عليه السلام ، قتله مصعب بن الزبير بعد حرب بينهما سنة 67 هـ.
الإصابة ترجمة رقم 8547 ، الفرق بين الفرق : 31 ـ 37 ، الكامل في التاريخ 4|82 ـ 108 ، تاريخ الطبري 7|146 ، الأعلام 7|192.
وكتب عبدالله بن مسلم الباهلي (83) وعمارة بن الوليد (84) وعمر بن سعد (85) إلى يزيد يخبرونه بأمر مسلم بن عقيل ويشيرون عليه (86) بصرف النعمان بن بشير وولاية غيره.
*
فكتب يزيد إلى عبيدالله بن زياد (87) ـ وكان والياً على البصرة (88) ـ بأنه قد ولاه الكوفة وضمها إليه ، ويعرفه أمر مسلم بن عقيل وأمر الحسين عليه السلام ، ويشدد عليه في تحصيل مسلم وقتله ، فتأهب عبيدالله للمسير إلى الكوفة.
لم يذكروه.
الطبقات 5|125 ، الكامل في التاريخ 4|21 ، الأعلام 5|47.
تاريخ الطبري 6|166 و7|18 و144 ، الأعلام 4|193.
مجمع البحرين 3|225 ـ 226.
وكان الحسين عليه السلام قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتاباً مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين (89) يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته ، منهم يزيد بن مسعود النهشلي (90) والمنذر بن الجارود العبدي (91).
فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد (92) ، فلما حضروا قال : يا بني تميم كيف ترون موضعي منكم وحسبي فيكم ؟
فقالوا : بخٍّ بخٍّ ، أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر (93) ، حللت في الشرف وسطاً ، وتقدمت فيه فرطاً.
قال : فإني قد جمعتكم لأمرٍ أريد أن أشاوركم فيه وأستعين بكم عليه.
فقالوا : والله إنما نمنحك (94) النصيحة ونجهد (95) لك الرأي ، فقل نسمع (96).
تاريخ الطبري 5|357 ـ 358 ، مقتل الخوارزمي 1|199 ، بحار الأنوار 44|337 ـ 340 ، أنصار الحسين : 74 ، ضياء العينين : 39 ـ 40.
الإصابة ترجمة رقم 8336 ، جمهرة الأنساب : 279 ، الأغاني 11|117 ، الأعلام 7|292.
فقال : إن معاوية قد (97) مات ، فأهون به والله هالكاً ومفقوداً ، ألا وإنه قد انكسر باب الجور والإثم ، وتضعضعت أركان الظلم ، وقد كان أحدث بيعةً عقد بها أمراً وظن أنه قد أحكمه ، وهيهات والذي أراد ، اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل ، وقد قام ابنه (98) يزيد ـ شارب الخمور ورأس الفجور ـ يدعي الخلافة على المسلمين ويتأمر عليهم بغير رضىً منهم (99) ، مع قصر حلمٍ وقلة علمٍ ، لا يعرف من الحق موطئ قدمه ، فأقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين.
وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله (100) ، ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل ، له فضلٌ لا يوصف وعلمٌ لا ينزف ، وهو (101) أولى بهذا الأمر ، لسابقته وسنه وقدمه (102) وقرابته ، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير ، فأكرم به راعي رعية وإمام قوم ، وجبت لله به الحجة (103) وبلغت به الموعظة.
فلا تعشوا عن نور الحق ولا تسكعوا في وهدة الباطل (104) ، فقد كان صخر
وها أنا قد لبست للحرب لامتها وأدرعت لها بدرعها ، من لم يقتل يمت ومن يهرب لم يفت ، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب.
فتكلمت بنو حنظلة ، فقالوا : يا أبا خالد نحن نبل كنانتك وفارس عشيرتك ، إن رميت بنا أصبت ، وإن غزوت بنا فتحت ، لا تخوض والله غمرةً إلا خضناها ، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها ، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا (107) ، فانهض لما شئت.
وتكلمت بنو سعد بن زيد (108) ، فقالوا : يا أبا خالد إن أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا ، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتك برأينا (109).
وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا : يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك (110) ، لا نرضى إن غضبت ولانقطن إن ضعنت ، والأمر إليك ، فادعنا نجبك ومرنا نطعك ، والأمر إليك إذا شئت.
الطبقات 7|66 ، جمهرة الأنساب : 206 ، تاريخ الاسلام 3|129 ، الأعلام 1|276 ـ 277.
فقال : والله يا بني سعد لئن فعلتموها لا يرفع الله عنكم السيف أبداً ، ولا يزال سيفكم فيكم.
ثم كتب الى الحسين عليه السلام.
أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك ، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وأن الله لم يخل الأرض من عاملٍ عليها بخير ودليل على سبيل النجاة ، وأنتم حجة الله على خلقه ووديعته (111) في أرضه ، تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها ، فأقدم سعدت بأسعد طائر ن فقد ذللت لك أعناق بني تميم وتركتهم أشد تتابعأً لك من الإبل الظلماء يوم خمسها لورود الماء ، وقد ذللت لك رقاب بني سعد وغسلت لك درن صدورها بماء سحابة مزن حتى استهل برقها فلمع.
فلما قرأ الحسين عليه السلام الكتاب قال : « آمنك (112) الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر ».
فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير ، فجزع من انقطاعه عنه .
وأما المنذر بن الجارود ، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيدالله بن زياد ، لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيساً من عبيدالله بن زياد ، وكانت بحرية بنت المنذر (113) زوجة لعبيدالله (114) ، فأخذ عبيدالله الرسول فصلبه ، ثم صعد
لم يذكروها.
ثم بات تلك الليلة ، فلما أصبح استناب (115) عليهم أخاه عثمان بن زياد (116) ، وأسرع هو إلى قصد الكوفة.
فلما قاربها نزل حتى أمسى ، ثم دخلها ليلاً ، فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام ، فتباشروا بقدومه ودنوا منه ، فلما عرفوا أنه ابن زياد تفرقوا عنه ، فدخل قصر الامارة وبات ليلته إلى الغداة ، ثم خرج وصعد المنبر وخطبهم وتوعدهم على معصية السلطان ووعدهم مع الطاعة بالإحسان
.
فلما سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه من الاشتهار ، فخرج من دار المختار وقصد دار هاني بن عروة (117) ، فآواه وكثر اختلاف الشيعة إليه ، وكان عبدالله بن زياد قد وضع المراصد عليه.
فما علم أنه في دار هاني دعا محمد بن الأشعث (118) وأسماء بن خارجة (119)
تسمية من قتل مع الحسين : 156 ، الكامل 4|10 ـ 15 ، المحبر : 480 ، النقائض : 246 ، التاج 3|359 ، رغبة الآمل 2|86 ، جمهرة الأنساب : 382 ، الأعلام 8|68 ، أنصار الحسين : 124 ـ 125 ، ضياء العينين : 30 ـ 38.
الإصابة ترجمة رقم 8504 ، الأعلام 6|39.
فوات الوفيات 1|11 ، تاريخ الاسلام 2|372 ، النجوم الزهراة 1|179 ، الأعلام 1|305.
فقالوا : ماندري ، وقد قيل : إنه يشتكي.
فقال : قد بلغني ذلك وبلغني أنه قد برء وأنه يجلس على باب داره ، ولو أعلم أنه شاك لعدته ، فالقوه ومروه أن لايدع ما يجب عليه من حقنا ، فإني لا أحب أن يفسد عندي (120) مثله ، لأنه من أشراف العرب.
فأتوه حتى وقفوا عليه عشية على بابه ، فقالوا : ما يمنعك من لقاء الأمير ، فإنه قد ذكرك وقال : لو أعلم أنه شاكٍ لعدته.
فقال لهم : الشكوى تمنعني.
فقالوا له : إنه قد بلغه إنك تجلس على باب دارك كل عشية ، وقد استبطاك ، والإبطاء والجفاء لايحتمله السلطان من مثلك ، لأنك سيدٌ في قومك ، ونحن نقسم عليك إلا ما ركبت معنا إليه . فدعا بثيا به فلبسها وفرسه فركبها ، حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه قد أحست ببعض الذي كان ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة (121) : يابن أخي إني والله من هذا الرجل لخائف ، فما ترى ؟
فقال : والله يا عم ما أتخوف عليك شيئاً ، فلا تجعل على نفسك سبيلاً ، ولم يك حسان يعلم في أي شيء بعث عبيدالله بن زياد . فجاء هاني والقوم معه حتى دخلوا جميعاً على عبيدالله ، فلما رأى هانياً قال : أتتك بخائن (122) رجلاه ، ثم التفت إلى شريح القاضي (123) ـ وكان جالساً عنده ـ وأشار إلى هاني وأنشد بيت
=
فقال له هاني : وما ذاك أيها الأمير ؟
فقال له : إيهاً يا هاني ، ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك وظننت أن ذلك يخفى علي.
فقال : ما فعلت.
فقال ابن زياد : بلى قد فعلت.
فقال : ما فعلت أصلح الله الأمير.
فقال ابن زياد : علي بمعقل (125) مولاي ـ وكان معقل عينه على أخبارهم ، وقد عرف كثيراً من أسرارهم ـ فجاء معقل حتى وقف بين يديه.
فلما رآه هاني عرف أنه كان عيناً عليه ، فقال : أصلح الله الأمير والله ما بعثت إلى مسلم ولا دعوته ، ولكن جاءني مستجيراً ، فاستحييت من رده ، ودخلني
الطبقات 6|90 ـ 100 ، وفيات الأعيان 1|224 ، حلية الأولياء 4|132 ، الأعلام 3|161.
وعمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبدالله الزبيدي ، فارس اليمن وصاحب الغارات المذكورة ، وفد على المدينة سنة 9 هـ في عشرة من بني زبيد فأسلم وأسلموا ، يكنى أبا ثور ، توفي على مقربة من الري سنة 21 هـ ، وقيل : قتل عطشاً يوم القادسية.
الاصابة ترجمة رقم 5972 ، الطبقات 5|383 ، خزانة الأدب 1|425 ـ 426 ، الأعلام 5|86.
فقال له ابن زياد : والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به.
فقال : والله لا آتيك به أبداً ، آتيك بضيفي حتى تقتله !
فقال : والله لتأتيني به.
قال : والله لا آتيك به.
فلما كثر الكلام بينهما ، قام مسلم بن عمرو الباهلي (126) فقال : أصلح الله الأمير أخلني وإياه حتى أكلمه ، فقام فخلى به ناحية ـ وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما ـ إذ رفعا أصواتهما.
فقال له مسلم : يا هاني أنشدك الله أن لا تقتل نفسك وتدخل البلاء على عشيرتك ، فوالله إني لأنفس بك عن القتل ، إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضاريه ، فادفعه إليه ، فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة ، وإنما تدفعه إلى السلطان.
فقال هاني : والله إن علي في ذلك الخزي والعار ، أنا أدفع جاري وضيفي ورسول ابن رسول الله إلى عدوه وأنا صحيح الساعدين وكثير الأعوان ! والله لو لم أكن إلا رجلاً واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه.
فأخذ يناشده ، وهو يقول : والله لا أدفعه.
فسمع ابن زياد ذلك ، فقال : أدنوه مني ، فأدني منه ، فقال : والله لتأتيني به أو لأضر بن عنقك.
لم يذكروه.
فقال هاني : إذن والله تكثر البارقة حول دارك.
فقال ابن زياد : والهفاه عليك ، أبا البارقة تخوفني ـ وهاني يظن أن عشيرته يسمعونه ـ ثم قال : أدنوه مني ، فأدني منه ، فاستعرض وجهه بالقضيب ، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خده وجيبنه على لحيته وانكسر القضيب.
فضرب هاني يده إلى قائم سيف شرطي ، فجذبه ذلك الرجل ، فصاح (127) ابن زياد : خذوه فجروه حتى ألقوه في بيتٍ من بيوت القصر واغلقوا (128) عليه بابه ، وقال : اجعلوا عليه حرساً ، ففعل ذلك به.
فقام أسماء بن خارجة إلى عبيدالله بن زياد ـ وقيل : إن القائم حسان بن أسماء ـ فقال : أرسل غدرٍ سائر اليوم (129) ، أيها الأمير أمرتنا أن نجيئك بالرجل ، حتى إذا (130) جئناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه على لحيته وزعمت أنك تقتله.
فغضب ابن زياد من كلامه وقال : وأنت ها هنا ! وأمر به فضرب حتى ترك وقيد وحبس (131) في ناحية من القصر.
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إلى نفسي أنعاك يا هاني.
قال الراوي (132) : وبلغ عمرو (133) بن الحجاج أن هانياً قد قتل ـ وكانت رويحة
فعلم عبيدالله باجتماعهم وكلامهم ، فأمر شريحاً القاضي أن يدخل على هاني فيشاهده ويخبر قومه بسلامته من القتل ، ففعل ذلك وأخبرهم ، فرضوا بقوله وانصرفوا.
قال (136) : وبلغ الخبر إلى مسلم بن عقيل ، فخرج بمن بايعه إلى حرب عبيدالله ، فتحصن منه بقصر الامارة ، واقتتل أصحابه وأصحاب مسلم.
وجعل أصحاب عبيدالله الذين معه في القصر يتشرفون منه (137) ويحذرون أصحاب مسلم ويتوعدونهم بجنود الشام ، فلم يزالوا كذلك حتى جاء الليل.
فجعل أصحاب مسلم يتفرقون عنه ، ويقول بعضهم لبعض : ما نصنع بتعجيل الفتنة ، وينبغي أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم.
فلم يبق معه سوى عشرة أنفس ، ودخل مسلم المسجد ليصلي المغرب ، فتفرق العشرة عنه.
فلما رأى ذلك خرج وحيداً في سكك الكوفة ، حتى وقف على باب امرأة يقال لها طوعة (138) ، فطلب منها ماءً فسقته ، ثم استجارها فأجارته ، فعلم به
=
فلما بلغو دار المرأة وسمع مسلم وقع حوافر الخيل ، لبس درعه وركب فرسه وجعل يحارب أصحاب عبيدالله.
ولما قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه (139) محمد بن الأشعث : يا مسلم لك الأمان.
فقال له مسلم : وأي أمان للغدرة الفجرة ، ثم أقبل يقاتلهم ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي (140) يوم القرن حيث يقول :
فقالوا له : إنك لا تخدع (141) ولا تغر ، فلم يلتفت إلى ذلك ، وتكاثروا عليه بعد أن أثخن بالجراح ، فطعنه رجل من خلفه ، فخر إلى الأرض ، فأخذ أسيراً.
فلما أدخل على عبيدالله بن زياد لم يسلم عليه ، فقال له الحرسي : سلم على الأمير.
الكامل في التاريخ 4|31 ، وراجع اعلام النساء المؤمنات : 363 ـ 364 وما ذكر فيه من مصادر ترجمتها.
فقال له : اسكت يا ويحك والله (142) ما هو لي بأمير.
فقال ابن زياد : لا عليك سلمت أم لم تسلم ، فإنك مقتول.
فقال له مسلم : إن قتلتني فلقد قتل من هو شرٌّ منك من هو خيرٌ مني ، وبعد فإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة ، لا أحد أولى بها منك (143).
فقال له ابن زياد : يا عاق يا شاق ، خرجت على إمامك وشققت عصى المسلمين ، وألقحت الفتنة بينهم.
فقال له مسلم : كذبت يابن زياد ، إنما شق عصى المسلمين معاوية وابنه يزيد ، وأما الفتنة فإنما ألقحها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف (144) ، وأنا أرجوا أن يرزقني الله الشهادة على يدي أشر البرية (145).
فقال ابن زياد : منتك نفسك أمراً ، حال الله دونه ولم يرك له أهلاً وجعله لأهله.
فقال مسلم : ومن أهله يابن مرجانة ؟
فقال : أهله يزيد بن معاوية !
فقال مسلم : الحمد الله ، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم.
وليت شعري كيف عد العلامة وابن داود هذا اللعين ابن اللعين ابا اللعين في القسم الأول من كتابيهما ، وكأنهما لم يلتفتا إلى أن زياد بن عبيد هو زياد المعروف بأمه ، والله العالم.
معجم رجال الحديث 7|309.