فقال ابن زياد : أتظن أن لك من الأمر شيئاً.
فقال مسلم : والله ما هو الظن ، ولكنه اليقين.
فقال ابن زياد : أخبرني يا مسلم لم أتيت هذا البلد وأمرهم ملتئمٌ فشتت أمرهم (146) بينهم وفرقت كلمتهم ؟
فقال له مسلم : ما لهذا أتيت ، ولكنكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف وتأمرتم على الناس بغير رضىً منهم وحملتموهم على غير ما أمركم به الله ، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة ، وكنا أهل ذلك كما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله.
فجعل ابن زياد لعنه الله يشتمه ويشتم علياً والحسن والحسين عليهم السلام !
فقال له مسلم : أنت وأبوك أحق بالشتم ، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله .
*
فأمر ابن زياد بكير بن حمران (147) أن يصعد به إلى أعلا القصر فيقتله ، فصعد به ـ وهو يسبح الله تعالى ويستغفره ويصلي على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ـ فضرب عنقه ، ونزل وهو مذعور .
فقال له ابن زياد : ما شأنك ؟
فقال : أيها الأمير رأيت ساعة قتله رجلاً أسوداً شنيء (148) الوجه حذاي عاضاً على إصبعه ـ أو قال شفتيه ـ ففزعت فزعاً لم أفزعه قط .
فقال ابن زياد : لعلك دهشت .
*
ثم أمر بهاني بن عروة ، فأخرج ليقتل ، فجعل يقول : وامذحجاه وأين مني
فقالوا له : يا هاني مد عنقك .
فقال : والله ما أنا بها سخي ، وما كنت لأعينكم على نفسي .
فضربه غلام لعبيد الله بن زياد يقال له رشيد (149) فقتله .
*
وفي قتل مسلم وهاني يقول عبدالله بن زبير الأسدي (150) ، ويقال : إنه للفرزدق (151) : | فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري | * | إلى هاني في السوق وابــن عقيل |
| إلى بطل قد هشم السيف وجـــهه | * | وآخر يهوى من جـــــدار قتيل |
| أصابهما جور البغى فـــأصبحـا | * | أحاديث من يسعى (152) بكل سبيل |
| ترى جسداً قد غير الموت لــونـه | * | ونضح دم قد ســــال كل مسيل |
| فتىً كان أحيى من فتـاة حيـــيةً | * | واقطع من ذي شفـــرتين صقيل |
| أيركب أسمــا الهماليــــج آمناً | * | وقد طلبته مذحج بـــــذحول |
| تطوف حــــواليـه مراد وكلهم | * | على أهبة من سائل ومســــول |
أدب الطف 1|146.
والفرزدق هو : همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي ، أبو فراس ، شاعر من النبلاء من أهل البصرة ، عظيم الأثر في اللغة ، كان شريفاً في قومه ، وكان أبوه من الأجواد الأشراف ، وكذلك جده ، توفي في بادية البصرة سنة 110 هـ وقد قارب المائة من عمره.
خزانة الأدب 1|105 ـ 108 ، جمهرة أشعار العرب : 163 ، الأعلام 8|93.
قال الراوي (154) : وكتب عبيدالله بن زياد بخبر مسلم وهاني إلى يزيد بن معاوية.
*
فأعاد عليه الجواب يشكره فيه على فعاله وسطوته ، ويعرفه أن قد بلغه توجه الحسين عليه السلام إلى جهته ، ويأمره عند ذلك بالمؤاخذة والإنتقام والحبس على الظنون والأوهام.
وكان قد توجه الحسين عليه السلام من مكة يوم الثلاثاء (155) لثلاث مضين من ذي الحجة ، وقيل : لثمان مضين من ذي الحجة (156) سنة ستين من الهجرة ، قبل أن يعلم بقتل مسلم ، لأنه عليه السلام خرج من مكة في اليوم الذي قتل فيه مسلم رضوان الله عليه.
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الإمامي (157) في كتاب دلائل الإمامة (158) قال : حدثنا أبو محمد سفيان بن وكيع (159) ، عن أبيه
ذريعة 8|244.=
تذكرة الحفاظ 1|282 ، حلية الأولياء 8|368 ، ميزان الإعتدال 3|270 ، تاريخ بغداد 13|466 ، الأعلام 8|117.
الطبقات 6|238 ، الوفيات 1|213 ، تاريخ بغداد 9|3 ، الأعلام 3|135.
لم يذكروه.
وذكر في مستدركات علم الرجال 3|425 زرارة بن خلج وزرارة بن صالح وعدهما شخصين وقال عن ابن خلج : لم يذكروه ، وهو من أصحاب الحسين عليه السلام ، رأى معجزته وإخباره إياه بشهادته وشهادة أصحابه . وقال عن ابن صالح : تشرف بلقاء الحسين قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام ، وروى عنه.
والظاهر أنهما اسمان لشخص واحد ، والله العالم.
معجم البلدان 3|272 ، 4|93 ـ 95.
فأومأ بيده نحو السماء ، ففتحت أبواب السماء ، فنزلت الملائكة عدداً لا يحصيهم الا عز وجل.
*
فقال عليه السلام : « لولا تقارب الأشياء وحضور الأجل لقاتلتهم بهؤلاء ، ولكني أعلم يقيناً أن هناك مصرعي وهناك مصارع أصحابي ، لا ينحو منهم إلا ولدي علي ».
وروي أنه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً ، فقال : « الحمد لله ما شاء الله ولا قوة (166) إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى اشتياق أسلافي (167) اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها ذئاب (168) الفلوات بين النواويس (169) وكربلاء ، فيملأن مني أكراشاً جوفا (170) وأجربةً سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقر بهم عينه وينجز بهم وعده ، من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحاً إن شاء
تراث كربلاء : 19.
*
ورويت بالإسناد عن محمد بن داود القمي (172) ، بالاسناد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : جاء محمد بن الحنفية (173) إلى الحسين عليه السلام في الليلة التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة.
فقال له : يا أخي ، إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من بالحرم
وجاء في نسخة ع بعد قوله : مصبحاً إن شاء الله.
وروى معمر بن المثنى في مقتل الحسين عليه السلام ، فقال ما هذا لفظه : فلما كان يوم التروية قدم عمر ابن سعد بن أبي وقاص إلى مكة في جندٍ كثيف ، قد أمره يزيد أن يناجز الحسين القتال إن هو ناجزه أو يقاتله إن قدر عليه ، فخرج الحسين عليه السلام يوم التروية.
ولم ترد هذه العبارة في نسخة ر . ب ، فأوردناها في الهامش لاحتمال كونها من تعليقات المصنف على الكتاب ، وأدرجت بعده في متن الكتاب.
ب : أحمد بن داود القمي.
هو محمد بن أحمد بن داود بن علي شيخ الطائفة أبو الحسن القمي ، توفي سنة 368 هـ ، صاحب كتاب المزار ، من أجلاء مشايخ المفيد ، ويروي عنه أيضاً الحسين بن عبيدالله بن الغضائري.
الطبقات القرن الرابع : 236.
تنقيح المقال 3|115 ، وفيات الأعيام 5|91 ، الطبقات 5|91.
فقال : « يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت ».
فقال له ابن الحنفية : فان خفت ذلك فصر إلى اليمن (174) أو بعض نواحي البر ، فإنك أمنع الناس به ، ولا يقدر عليك أحد.
فقال : « أنظر فيما قلت » .
فلما كان السحر ارتحل الحسين عليه السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية ، فأتاه ، فأخذ زمام ناقته وقد ركبها فقال : ياأخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟
فقال : « بلى ».
قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟
فقال : « أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعدما فارقتك ، فقال : يا حسين ، أخرج ، فإن الله قد شاء أن يراك قتيلاً ».
فقال محمد بن الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟
قال : فقال له : « قد قال لي : إن (175) الله قد شاء أن يراهن سبايا » ، وسلم عليه ومضى (176).
معجم البلدان 5|447.
وجاء في نسخة ع بعد قوله : وسلم عليه ومضى :=
وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن مروان بن إسماعيل ، عن حمزة بن حمران ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن الحنفية عنه ، فقال أبو عبدالله عليه السلام : يا حمزة إني سأحدثك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا :
إن الحسين عليه السلام لما فصل متوجهاً ، أمر بقرطاس وكتب :
من الحسين بن علي إلى بني هاشم ، أما بعد ، فإنه من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح ، والسلام.
وذكر المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضى الله عنه في كتاب مولد النبي صلى الله عليه وآله ومولد الأوصياء صلوات الله عليهم ، بأسناده إلى أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال : لما سار أبو عبدالله الحسين بن علي صلوات الله عليهما من مكة ليدخل المدينة ، لقيه أفواج من الملائكة المسومين والمردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة ، فسلموا عليه وقالوا : يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه ، إن الله عز وجل أمد جدك رسول الله صلى الله عليه وآله بنا في مواطن كثيرة ، وأن الله أمدك بنا.
فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها ، وهي كربلاء ، فإذا وردتها فأتوني.
فقالوا : يا حجة الله ، إن الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع ، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك ؟
فقال : لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.
وأتته أفواج من مؤمني الجن ، فقالوا له : يا مولانا ، نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بما تشاء ، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.
فجزاهم خيراً وقال لهم : أما قرءتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ، فإذا أقمت في مكاني فبم يمتحن هذا الخلق المتعوس ، وبماذا يختبرون ، ومن ذا يكون ساكن حفرتي وقد اختارها الله تعالى لي يوم دحا الأرض ، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومحبينا ، تقبل أعمالهم وصلواتهم ، ويجاب دعاؤهم ، وتسكن شيعتنا ، فتكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة ؟ ولكن تحضرون يوم السبت ، وهو يوم عاشوراء ـ في غير هذه الرواية يوم الجمعة ـ الذي في آخره أقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخواني وأهل بيتي ، ويسار رأسي إلى يزيد بن معاوية لعنهما الله.=
*
ثم سار الحسين عليه السلام حتى مر بالتنعيم (177) ، فلقي هناك عيراً تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري (178) عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية فأخذ عليه السلام الهدية ، لأن (179) حكم أمور المسلمين إليه.
ثم قال لأصحاب الجمال : « من أحب أن (180) ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا أعطيناه كراه (181) بقدر ما قطع من الطريق ».
فمضى معه قوم وامتنع آخرون.
فقالت الجن : نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه لولا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك لخالفناك وقتلنا جميع أعداءك قبل أن يصلوا إليك.
فقال لهم عليه السلام : ونحن والله أقدر عليهم منكم ، ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة . انتهى بنصه من نسخة ع.
ولم يرد هذا في نسخة ر ، ب ، وإنما أوردناه في الهامش لاحتمال كونه من حواشي المصنف على الكتاب ، وأدخل بعده في المتن.
معجم البلدان 2|49.
لم أهتد إلى ترجمته.
*
ثم سار عليه السلام حتى بلغ ذات عرق (182) ، فلقى بشر بن غالب (183) وارداً من العراق ، فسأله عن أهلها.
فقال : خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية.
فقال عليه السلام : « صدق أخو بني أسد ، إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ».
*
قال الراوي (184) : ثم سار عليه السلام حتى أتى الثعلبية (185) وقت الظهيرة ، فوضع رأسه ، فرقد ثم استيقظ ، فقال : « قد رأيت هاتفاً يقول : أنتم تسيرون والمنايا تسير (186) بكم إلى الجنة ».
فقال له ابنه علي : يا أبة أفلسنا على الحق ؟
فقال : « بلى يا بني والذي اليه مرجع العباد ».
معجم البلدان 4|107 ـ 108.
وله روايات عن الحسين ذكرت في عدة الداعي ، ويروي عنه عبدالله بن شريك.
والثعلبية بفتح أوله من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية ، وهي ثلثا الطريق ، وأسفل منها ماء يقال له الضويجعة على ميل منها مشرف ، وإنما سميت بالثعلبية لإقامة ثعلبة ابن عمرو بها ، وقيل : سميت بن دودان بن اسد وهو أول من حفرها ونزلها.
معجم البلدان 2|78.
ثم سار عليه السلام حتى بلغ ذات عرق (182) ، فلقى بشر بن غالب (183) وارداً من العراق ، فسأله عن أهلها.
فقال : خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية.
فقال عليه السلام : « صدق أخو بني أسد ، إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ».
قال الراوي (184) : ثم سار عليه السلام حتى أتى الثعلبية (185) وقت الظهيرة ، فوضع رأسه ، فرقد ثم استيقظ ، فقال : « قد رأيت هاتفاً يقول : أنتم تسيرون والمنايا تسير (186) بكم إلى الجنة ».
فقال له ابنه علي : يا أبه أفلسنا على الحق ؟
فقال : « بلى يا بني والذي اليه مرجع العباد ».
معجم البلدان 4|107 ـ 108.
وله روايات عن الحسين ذكرت في عدة الداعي ، ويروي عنه عبدالله بن شريك.
والثعلبية بفتح أوله من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية ، وهي ثلثا الطريق ، وأسفل منها ماء يقال له الضويجعة على ميل منها مشرف ، وإنما سميت بالثعلبية لإقامة ثعلبة ابن عمرو بها ، وقيل : سميت بثعلبة بن دودان بن اسد وهو أول من حفرها ونزلها.
معجم البلدان 2|78.
فقال له : يا أبة إذن لا نبالي بالموت.
فقال له الحسين عليه السلام : « فجزاك الله يابني خير ما جزا ولداً عن والده (187)».
*
ثم بات عليه السلام في الموضع ، فلما أصبح ، فإذا هو برجلٍ من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي (188) ، فلما أتاه سلم عليه.
ثم قال : يابن رسول الله ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدك رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
فقال الحسين عليه السلام : « ويحك يا أبا هرة ، إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً ، وليسلطن الله عليهم من يذلهم ، حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم حتى أذلتهم ».
*
ثم سار عليه السلام ، وحدث جماعة من بني (189) فزارة وبجيلة قالوا : كنا مع زهير بن القين (190) لما أقبلنا من مكة ، فكنا نساير الحسين عليه السلام ، وما شيء أكره إلينا من مسايرته ، لأن معه نسوانه ، فكان إذا أراد النزول اعتزلناه ، فنزلنا ناحية.
تاريخ الطبري 5|396 ـ 397 و6|42 و422 ، رجال الشيخ : 73 ، أنصار الحسين : 88.
فلما كان في بعض الأيام نزل في مكان ، فلم نجد بداً من أن ننازله فيه ، فبينما نحن نتغدى بطعام لنا إذا أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم علينا.
ثم قال : يا زهير بن القين إن أبا عبدالله عليه السلام بعثني إليك لتأتيه ، فطرح كل إنسان منا ما في يده حتى كأنما على رؤوسنا الطير.
فقالت له زوجته ـ وهي ديلم بنت عمرو (191) ـ : سبحان الله ، أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه ، فلو أتيته فسمعت من كلامه.
فمضى إليه زهير ، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه فقوض وبثقله ومتاعه فحول إلى الحسين عليه السلام.
وقال لامرأته : أنت طالق ، فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير ، وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي وأقيه بنفسي (192) ، ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها.
فقامت إليه وودعته وبكت ، وقالت : خار (193) الله لك ، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام.
ثم قال لأصحابه : من أحب منكم أن يصحبني ، وإلا فهو آخر العهد مني (194) به.
وهي التي قالت لغلام لزهير بعد شهادته : انطلق فكفن مولاك ، قال : فجئت فرأيت حسيناً ملقى ، فقلت : اكفن مولاي وأدع حسيناً ! فكفنت حسيناً ، ثم رجعت فقلت ذلك لها ، فقالت : أحسنت ، وأعطتني كفناً آخر ، وقالت فكفن مولاك ، ففعلت.
ترجمة الإمام الحسين من كتاب الطبقات ، المطبوع في مجلة تراثنا ، العدد 10 ص 190 ، وراجع أيضاً أعلام النساء المؤمنات : 341.
*
ثم سار الحسين عليه السلام حتى بلغ زبالة (195) ، فأتاه فيها خبر مسلم (196) بن عقيل ، فعرف بذلك جماعة ممن تبعه ، فتفرق عنه أهل الأطماع والإرتياب ، وبقي معه أهله وخيار الأصحاب.
قال الراوي (197) : وارتج الموضع بالبكاء والعويل (198) لقتل مسلم بن عقيل ، وسالت الدموع عليه كل مسيل.
*
ثم أن الحسين عليه السلام سار قاصداً لما دعاه الله إليه ، فلقيه (199) الفرزدق ، فسلم عليه وقال : يابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته ؟
قال : فاستعبر الحسين عليه السلام باكياً ، ثم قال : « رحم الله مسلماً ، فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيته ورضوانه ، أما أنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا » ، ثم أنشأ يقول :
معجم البلدان 3|129.
*
قال الراوي (202) : وكتب الحسين عليه السلام كتاباً إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة (203) ورفاعة بن شداد وجماعة من الشيعة بالكوفة ، وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي (204).
*
فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير (205) صاحب عبيدالله بن زياد ليفتشه ، فأخرج الكتاب ومزقه ، فحمله الحصين إلى ابن زياد.
فلما مثل بين يديه قال له : من أنت ؟
قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه عليهما السلام.
قال : فلماذا مزقت الكتاب ؟
قال : لئلا تعلم ما فيه.
وقيس بن مسهر أسدي من عدنان ، شاب كوفي من أشراف بني أسد ، أحد حملة الرسائل من قبل الكوفيين إلى الحسين عليه السلام بعد إعلان الحسين رفضه لبيعة يزيد وخروجه إلى مكة ، صحب مسلم بن عقيل حين قدم من مكة مبعوثاً من قبل الحسين إلى الكوفة ، حمل رسالة من مسلم إلى الحسين عليه السلام يخبره فيها بيعة من بايع ويدعوه إلى القدوم.
تاريخ الطبري 5|394 ـ 395 ، رجال الشيخ : 79 ، تسمية من قتل مع الحسين : 152 ، أنصار الحسين : 123 ـ 124.
التهذيب لابن عساكر 4|371 ، الأعلام 2|262.
قال : ممن الكتاب وإلى من ؟
قال من الحسين بن علي عليهما السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.
فغضب ابن زياد وقال : والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم ، أو تصعد المنبر فتلعن الحسين وأباه وأخاه ، وإلا قطعتك إرباً إرباً.
فقال قيس : أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأما لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.
فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ، وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات الله عليهم ، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه ، ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم.
ثم قال : أيها الناس ، أنا رسول الحسين بن علي عليهما السلام إليكم ، وقد خلفته بموضع كذا وكذا ، فأجيبوه.
فأخبر ابن زياد بذلك (206) ، فأمر بإلقائه من أعلا القصر ، فألقي من هناك ، فمات رحمة الله.
فبلغ الحسين عليه السلام موته ، فاستعبر باكياً ثم قال : « اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك إنك على كل شيءٍ قدير ».
وروي أن هذا الكتاب كتبه الحسين عليه السلام من الحاجز (207) ، وقيل : غير ذلك.
وفي مراصد الاطلاع 2|634 : بطن الرمة منزل يجمع طريق البصرة والكوفة إلى المدينة.
وفي معجم البلدان 1|666 : بطن الرمة واد معروف بعالية نجد ، وقال ابن دريد : الرمة قاع عظيم بنجد تنصب إليه أوديه.
*
قال الراوي (208) : وسار الحسين عليه السلام حتى صار على مرحلتين من الكوفة ، فاذا (209) بالحر بن يزيد (210) في ألف فارس.
فقال له الحسين عليه السلام : « ألنا أم علينا ؟ »
فقال : بل عليك يا أبا عبدالله.
فقال : « لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ».
ثم تراد القول بينهما ، حتى قال له الحسين عليه السلام : « فإذا كنتم على خلاف ما أتتني به كتبكم وقدمت به علي رسلكم ، فإني أرجع إلى الموضع الذي أتيت منه ».
فمنعه الحر وأصحابه من ذلك ، وقال : لا ، بل خذ يا بن رسول الله طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يوصلك إلى المدينة لأعتذر إلى ابن زياد بأنك خالفتني الطريق.
فتياسر الحسين عليه السلام ، حتى وصل إلى عذيب الهجانات (211).
تاريخ الطبري 5|422 و400 و427 ، تسمية من قتل مع الحسين : 153 ، رجال الشيخ : 73 ، البداية والنهاية 8|172 ، الكامل في التاريخ 4|19 ، أنصار الحسين : 84 ـ 85 ، الأعلام 2|172.
معجم البلدان 4|92.
قال : فورد كتاب عبيدالله بن زياد إلى الحر يلومه في أمر الحسين عليه السلام ، ويأمره بالتضييق عليه.
فعرض له الحر وأصحابه ومنعوه من المسير.
*
فقال له الحسين عليه السلام : « ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق ؟ »
فقال الحر : بلى ، ولكن كتاب الأمير عبيدالله بن زياد قد وصل يأمرني فيه بالتضييق عليك ، وقد جعل علي عيناً يطالبني بذلك.
قال الراوي (212) : فقام الحسين عليه السلام خطيباً في أصحابه ، فحمدالله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه ، ثم قال : « إنه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ، وإن الدنيا قد تنكرت وتغيرت وأدبر معروفها واستمرت جذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً ، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الضالمين إلا برما ».
*
فقام زهير بن القين ، فقال : لقد سمعنا هدانا الله بك يابن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين لآثر النهوض معك على الاقامة فيها.
*
قال : ووثب هلال بن نافع البجلي (213) ، فقال : والله ما كرهنا لقاء ربنا ، وإنا
إبصار العين : 86 ـ 89 ، الطبري 6|253 ، ابن الأثير 4|29 ، البداية 8|184.
*
قال : وقام برير بن حصين (214) ، فقال : والله يابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
*
قال : ثم أن الحسين عليه السلام قام (215) وركب ، وصار كلما أراد المسير يمنعونه تارةً ويسايرونه أخرى ، حتى بلغ كربلاء ، وكان ذلك في اليوم الثاني (216) من المحرم.
فلما وصلها قال : « ما اسم هذه الأرض ؟ »
فقيل : كربلا.
فقال : « انزلوا ، هاهنا والله محط ركابنا وسفك دمائنا ، هاهنا والله مخط قبورنا ، وهاهنا والله سبي حريمنا ، بهذا حدثني جدي (217) ».
فنزلوا جميعاً ، ونزل الحر وأصحابه ناحية ، وجلس الحسين عليه السلام يصلح سيفه ويقول :
وفي بعض المصادر : بدير بن حفير ، والظاهر أن خضير هو الأولى.
هو سيد القراء ، كان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القراءة في جامع الكوفة ، وله في الهمدانيين شرف وقدر ، وكان مشهوراً ومحترماً في مجتمع الكوفة ، وهو همداني من شعب كهلان موطنه الكوفة ، بذل محاولة لصرف عمر بن سعد عن ولائه للسلطة الأموية.
تاريخ للطبري 5|421 و423 و432 ، معجم رجال الحديث 3|289 ، المناقب 4|100 ، البحار 45|15.
انزلوا ، هاهنا محط رحالنا ومسفك دمائنا وهنا محل قبورنا ، بهذا حدثني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله.
| « يا دهر أفٍّ لك من خليل | * | كم لك بالإشراق والأصيــل |
| من طـالبٍ وصاحبٍ قتيل | * | والدهر لا يقنــــع بالبديل |
| وإنــما الأمر إلى الجليل | * | وكل حيٍّ فإلى سبـــــيل |
| ما أقرب الوعد إلى الرحيل | * | إلى جنان وإلى مقيل (218) » |
*
قال الراوي (219) فسمعت زينب ابنت فاطمة عليهما السلام (220) ذلك ، فقالت : يا أخي هذا كلام من قد أيقن بالقتل.
فقال : « نعم يا أختاه ».
فقالت زينب : واثكلاه ، ينعى إلي الحسين نفسه.
قال : وبكى النسوة ، ولطمن الخدود ، وشققن الجيوب.
وجعلت أم كلثوم (221) تنادي : وامحمداه واعلياه واأماه وافاطمتاه واحسناه
الإصابة 8|100 ، نسب قريش : 41 ، الطبقات 8|341 ، الأعلام 3|67.
ولزيادة الإطلاع راجع كتاب زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي ، فانه أحسن وأجاد في دراسته عن هذه الشخصية البارزة سيدة النساء بعد أمها الزهراء عليها السلام.=
قال : فعزاها الحسين عليه السلام وقال لها : « يا أختاه تعزي بعزاء الله ، فإن سكان السموات يموتون ، وأهل الأرض لا يبقون ، وجميع البرية يهلكون ».
ثم قال : « يا أختاه يا أم كلثوم ، وأنت يا زينب ، وأنت يا رقية (222) ، وأنت يا فاطمة (223) ، وأنت يا رباب (224) ، أنظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن علي جيباً ولا تخمشن علي وجهاً ولا تقلن علي هجراً ».
وروي من طريق آخر : أن زينب لما سمعت الأبيات ـ وكانت في موضع منفرد عنه مع النساء والبنات ـ خرجت حاسرة تجر ثوبها ، حتى وقفت عليه وقالت :
راجع من مصادر ترجمتها : أجوبة المسائل السروية : 226 ، الاستغاثة : 90 ، الاستيعاب 4|490 ، أسد الغابة 5|614 ، أعلام النساء المؤمنات : 181 ـ 220 ، وذكر فيه الكثير من مصادر ترجمتها.
الطبقات 8|347 ، مقاتل الطالبيين : 119 و120 و202 و237 ، الأعلام 5|130.
المحبر 3|13 ، أعلام النساء 1|378 ، الأعلام النساء 1|378 ، الأعلام 1|378.
فنظر الحسين عليه السلام إليها وقال : « يا أختاه لا يذهبن حلمك ».
فقال : بأبي أنت وأمي أستقتل ؟! نفسي لك الفداء.
فرد غصته وتغرغرت عيناه بالدموع ، ثم قال : « هيهات هيهات ، لو ترك القطا ليلاً لنام ».
فقالت : يا ويلتاه ، أفتغصب نفسك اغتصاباً ، فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ، ثم أهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشياً عليها.
فقام عليه السلام فصب على وجهها الماء حتى أفاقت ، ثم عزاها عليه السلام بجهده وذكرها المصيبة بموت أبيه وجده صلوات الله عليهم أجمعين.
*
ومما يمكن أن يكون سبباً لحمل الحسين عليه السلام لحرمه معه ولعياله : أنه لو تركهن بالحجاز أو غيرها من البلاد كان يزيد بن معاوية لعنه الله أرسل من أخذهن إليه ، وصنع بهن من الإستيصال وسوء الأعمال ما يمنع الحسين عليه السلام من الجهاد والشهادة ، ويمتنع عليه السلام ـ بأخذ يزيد بن معاوية لهن ـ عن مقام السعادة.